مسيرة المأمورية الثالثة.. وغوغائية النخبة/احمد ولد الدوه
أثارت المسيرات الراجلة التي شهدتها مدينتا كيفة وبومديد، بمشاركة وزراء ونواب وعمد ووجهاء، للمطالبة بمأمورية ثالثة لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، نقاشًا واسعًا حول طبيعة الخطاب السياسي الذي تتبناه بعض النخب، وحول الحدود الفاصلة بين القناعة السياسية والتزلف للسلطة.
فمن حق أي طرف سياسي أو مواطن أن يتبنى موقفًا مؤيدًا لمأمورية ثالثة او ….، وأن يعبر عن ذلك بالوسائل السلمية والقانونية، ما دام هذا الموقف مطروحًا للنقاش العام.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تعكس هذه التحركات قناعة سياسية راسخة لدى المشاركين فيها، أم أنها امتداد لثقافة سياسية اعتادت فيها بعض النخب على التصفيق للسلطة، باعتباره الطريق الأقصر إلى النفوذ والمكاسب؟
المشهد يعيد إلى الواجهة ظاهرة “غوغائية النخبة”؛ وهي ظاهرة تتمثل في سرعة تبدل المواقف والخطابات بحسب تغير موازين السلطة، حيث يقول بعض السياسيين اليوم ما كانوا يرفضونه بالأمس، ويصفقون لنظام كانوا ينتقدونه، ثم ينتقلون إلى خطاب جديد مع تغير الظروف.
المشكلة، في جوهرها، ليست في المطالبة بمأمورية ثالثة، فهذا موقف سياسي قابل للنقاش والاختلاف، وإنما في أن تتحول النخب السياسية إلى أدوات للتطبيل، وأن يصبح الولاء للأشخاص والأنظمة أقوى من الولاء للمبادئ والدستور والمصلحة العامة.
وحين تتحول السياسة إلى وسيلة لتحقيق المنافع الشخصية، يصبح الفسادو الترف والتبذير جزءًا من المشهد السياسي، وتتراجع مصلحة الوطن أمام المصالح الضيقة،”مصلحة البطن” ويصبح التصفيق بديلاً عن النقد، والمجاملة بديلاً عن المساءلة، والولاء للأشخاص بديلاً عن الالتزام بالمؤسسات.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية ليس اختلاف المواقف، وإنما فقدان المبدأ وثبات الموقف.
فالنخبة التي لا تستطيع أن تقول للسلطة إلا ما تحب سماعه، ولا تجرؤ على نقد أخطائها أو مساءلتها، لا تؤدي دورها الحقيقي في حماية المجتمع والدولة.
الأوطان لا تُبنى بالمسيرات وحدها، ولا تُحمى بكثرة التصفيق، ولا تتقدم بتبديل المواقف وفقًا لمتطلبات المرحلة. وإنما تُبنى بالمبادئ والصدق والمسؤولية، وبنخبة قادرة على أن تقول ما تؤمن به، وأن تضع المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية.
أما المطالبة بإصلاحات سياسية، فلتكن موضوعًا لنقاش سياسي هادئ ومسؤول، بعيدًا عن غوغائية التزلف والمبالغة في الولاء؛ لأن مستقبل الدول لا تصنعه الحشود وحدها، بل تصنعه المؤسسات، وتحميه القوانين، وتدافع عنه نخبة تؤمن بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن السلطة مرحلة وليست غاية
تولانا الله بلطفه ورحمته




