الأخبارمقالات و تحليلات

يونس بحري: السندباد الذي تفرقت دماؤه في عواصم العالم وميكروفون هتلر العربي / كتب : ا.د كريم فرمان

الرحالة العراقي / يونس صالح بحري

لم تكن حياة الرحالة العراقي يونس بحري مجرد سيرة رجل طاف البلدان ، بل كانت رواية سريالية صاغت الأقدار تفاصيلها بجموح لا يجرؤ عليه خيال أديب. ومن بين كل المحطات التي وطأتها قدماه، تظل محطة برلين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين هي الأكثر صخبًا، وغموضًا، وتناقضًا. هناك، في قلب الماكينة النازية الرهيبة، عاش بحري حيوات متعددة في وقت واحد؛ فكان رجل السياسة الماكر، والمذيع الذي يهز عواصم الشرق، والنديم الصعلوك الذي يذوب في ليالي العاصمة الألمانية بين الكؤوس الحارقة وأحضان الغانيات.

من حانات التشرد إلى دهاليز السلطةو كؤوس هتلر المنسية

لم تبدأ حكاية برلين من منصات الخطابة، بل بدأت من زوايا الحانات الباردة والمظلمة في عشرينيات القرن الماضي. هناك، التقى يونس بحري بشاب نمساوي منطوٍ، ذي نظرات حادة وشديدة الغرابة، كان يدعى أدولف هتلر. كان هتلر آنذاك مجرد رسام بائس ومغمور، يعرض لوحاته على رواد الحانات ليؤمن ثمن عشاء بسيط، وعاجزًا في كثير من الأحيان عن دفع ثمن ما يحتسيه.
بروح شرقية فطرية تميل إلى الكرم والامتداد، كان يونس بحري الجبوري يرقّ لحال هذا الرسام المنسي، فيدفع عنه مرارًا وتكرارًا ثمن كؤوس الخمرة. لم يكن بحري يعلم أن هذا الصعلوك الذي يشاركه طاولة العبث سيتسلق جثث الملايين ليصبح الفهد او “الفوهرر” الذي يزلزل أركان الأرض. وعندما دارت عجلة التاريخ واعتلى هتلر عرش الرايخ الثالث، لم ينسَ “كرم الحانة”؛ ففتح ليونس بحري أبواب مقره المستعصي، ليصبح العربي الوحيد الذي يدخل على زعيم ألمانيا النازية متى أراد، بلا موعد ولا حجاب، مستندًا إلى تاريخ قديم من الندامى والصحبة.

 

لورد هاو هاو” العراقي: الأثير اللاهب والسياسة الماكرة

في برلين، تحول يونس بحري من مجرد رحالة مغامر إلى سلاح إعلامي فتاك في يد الدعاية النازية الموجهة ضد الإمبراطورية البريطانية أسس إذاعة “صوت العرب” من برلين، وأطلق من وراء ميكروفونها عبارته الشهيرة التي كانت تخترق أثير الشرق كالقذائف: “حيوا العرب من برلين”.
لم تكن الدوائر الغربية غافلة عن خطورته؛ إذ تصفه الوثائق والدراسات التاريخية الغربية بـ “لورد هاو هاو العراقي” (Iraqi Lord Haw-Haw)، تشبيهاً له بمذيع النازية البريطاني الشهير، فقد تميز بحري بصوت جهوري آسر وقدرة فائقة على التلاعب بالألفاظ وإلقاء النكات الساخرة واللاذعة على الهواء ، مما جعله ذراع هتلر وغوبلز الإعلامية الأقوى لتأليب الشارع العربي. وفي تلك الأروقة المشحونة، التقى بالمجاهد الفلسطيني الحاج أمين الحسيني، وناصر السياسي العراقي رشيد عالي الكيلاني، ليطبخ السياسة في النهار بذكاء حاد، ويصنع لنفسه مجداً ملأ السمع والبصر.

 

ليالي برلين الصاخبة: بين الخمرة والنساء

لكن هذا الوجه السياسي الجاد لم يكن إلا نصف الحقيقة. فبمجرد أن ينطفئ الضوء الأحمر في استوديو الإذاعة، ويصمت الميكروفون، كان يونس بحري يخلع عباءة السياسة ليرتمي في أحضان ليل برلين المخملي والمجنون. كان يعيش على حافة الخطر واللذة؛ ينتقل من نهارات الإذاعة والخطب الحماسية إلى ليلات تضج بصليل الكؤوس وضحكات الغانيات في الملاهي الليلية الفاخرة المخصصة لرجال الحزب النازي وصفوة المجتمع.

 

قضى أيام الحرب الرهيبة في برلين مستهترًا بالموت، يعاقر الخمرة ويعيش قصص عشق عابرة لا تنتهي. كان يجمع في يومه الواحد بين المتناقضات: يقابل القادة والجنرالات، يخطب في الملايين عبر الأثير، ثم يقضي بقية ليلته في عربدة صاخبة حتى مطلع الفجر، كأنه كان يشعر أن هذه الإمبراطورية الضخمة التي يقف في ظلها آيلة للسقوط لا محالة، وأن عليه تذوق كل قطرة في كأس الحياة قبل الانفجار الكبير.

 

الخاتمة رماد الإمبراطورية وأفول “أسطورة الأرض”

ولأن كل صخب لا بد له من أفول، تداعت أسطورة الرايخ الثالث أمام ناظريه. وقف يونس بحري شاهداً صامتاً على الانهيار الدرامي الكوني؛ رأى بعينيه دبابات التحالف وهي تقتحم شوارع برلين المزدهرة، وتحول ملاهيها وأستوديوهاتها إلى ركام ورماد.

 

انقشع الضباب الرمادي، وعاد السندباد إلى وطنه العراق، لكنه لم يجد برلين الصاخبة، بل وجد زنازين عبد الكريم قاسم التي أطفأت ما تبقى من بريق في عينيه. وفي خريف عمره، تحول الرجل الذي وصفه المؤرخ الدكتور سيّار الجميل بأنه “أعجوبة من الأعاجيب وأسطورة الأرض” من نديم لجبابرة الأرض إلى مستودع أسرار متحرك منسيّ في مقاهي بغداد وأزقتها الضيقة .

 

انتهى المطاف بـ “بحري” مشردًا فقيراً يقتات على ذكريات مجد غابر ، ذاك الصوت الذي هز عواصم أوروبا صمتَ تماماً، ومات في عوز شديد، حتى إن جسده الذي طاف القارات السبع لم يجد من يشيعه سوى صديق وفيّ واحد واراه الثرى في قبر مجهول.

 

رحل يونس بحري، وتفرقت دماؤه وسلالته في شطآن الأرض، ليموت كما تموت النيازك.. تملأ الدنيا ضياءً وصخبًا، ثم تهوي في صمت الليل، دون أن تترك وراءها سوى رماد الأسطورة، وصوتاً لا يزال يتردد في ذاكرة الأثير: “حيوا العرب من برلين”. يونس بحري.. السندباد العراقي ونديم الملوك ارتدى عمامة الإفتاء وبدلة الرقص في ان واحد ، وبين مجالس الملوك وقسوة السجون، عاش يونس بحري حياة لا تُصدق، متجاوزًا حدود الخيال في روايتها. طاف هذا الرحالة والإعلامي العراقي العالم بطوله وعرضه، تاركًا خلفه قصصًا توازن بين النقيض ونقيضه في وقت واحد. مفارقات دلهي وإندونيسيا إمام مسجد يؤم الهنود نهارًا وراقص ليلاً،ففي العاصمة الهندية دلهي، كان يؤم المصلين في المسجد نهارًا بوقار الشيخ، وفي الليل، يتحول إلى راقص في فرقة شعبية ليكسب عيشه ويؤمن مصاريف رحلته الفضولية.

 

كما بلغ درجة مفتي إندونيسيا إذ لم تقف رحلته عند الهند، بل قادته إلى إندونيسيا، وهناك وبفضل غزارة معلوماته الإسلامية وفصاحته، عُين مفتيًا للدولة لفترة من الزمن. لقب بنديم الملوك والزعماء وصديق الكبار،حيث طاف العالم ليكون نديمًا للملوك ورؤساء الدول؛ تجالس مع أشهر القادة وأكثرهم شعبية مثل الملك عبد العزيز ال سعود وحاكم اندنوسيا ورشيد عالي الكيلاني وهتلر وغوبلز وامين الحسيني وغيرهم الكثير مثلما كان صوت برلين التي ارتبط اسمه تاريخيًا بإذاعتها العربية خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كان يفتتح بثه بعبارته الشهيرة “هنا برلين.. حي العرب”.

 

تعدد الزوجات

 

لم تكن أسفاره جغرافية فقط، بل واكبها بتأسيس عائلات في كل بلد مر به، حيث يُشاع أنه تزوج عشرات المرات وأنجب جيلاً من الأبناء تفرقوا في شتى قارات الأرض حتى اني شخصيا سمعت من ابنته د. منى يونس بحري استاذة علم النفس في جامعة بغداد سابقا ان والدها عندما طلق امها وهاجر كانت صغيرة ولا تتذكر من ملامحه شيئا سوى ما ينشر عن مغامراته ،ومن بين ما سمعت ان احد ابنائه في الفلبين قد أصبح قائدا للبحرية الفلبينية. يظل يونس بحري الشخصية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الصحافة والترحال العربي، رجلٌ جمع العالم في حقيبة، وعاش ألف حياة في حياة واحدة.

المصدر : الكاتب 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى