أخبار موريتانياالأخبار

حريق الكهرباء.. الرئيس يفتح التحقيق والحكومة تفتح دفتر الإنجازات/تحليل احمدولد الدوه

لم يكن حريق محطتي التحويل الكهربائي في نواكشوط مجرد حادث تقني عابر بالنسبة للمواطن الموريتاني، فقد كانت له انعكاسات مباشرة على خدمة أساسية تمس حياة الناس وأعمالهم ومصالحهم اليومية.
واللافت في تداعيات الحادث هو تباين زاوية الخطاب الرسمي بين تحرك رئيس الجمهورية ميدانيًا، واعترافه عمليًا بخطورة الوضع، وتوجيهه بتشكيل لجنة للتحقيق في أسباب الحريق، وبين خطاب حكومي سارع إلى التأكيد على أن الحادث، رغم تأثيراته، لا ينتقص من حجم المكاسب والاستثمارات التي تحققت في قطاع الطاقة/ تصريح الوزير الناطق الرسمي بآسم الحكومة ولد مدو

 

وهنا يطرح المواطن سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام أزمة تستوجب الوقوف عند أسبابها ومكامن الخلل فيها، أم أمام حادث عابر ينبغي ألا يحجب الإنجازات؟
الجواب في الحقيقة لا يحتاج إلى اختيار أحد الموقفين وإقصاء الآخر.
فمن الطبيعي أن تكون هناك استثمارات وإنجازات في قطاع الطاقة، ومن الطبيعي كذلك أن يؤدي حادث بهذا الحجم إلى طرح أسئلة صعبة حول جاهزية المنظومة، ومستوى الصيانة، وإجراءات السلامة، وقدرة الشبكة على ضمان استمرارية الخدمة في حالات الطوارئ.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإشارة إلى الإنجازات إلى وسيلة لتخفيف وقع الأسئلة التي يطرحها الحادث.
المواطن لا يسأل عن حجم الاستثمارات فقط، بل يسأل عن نتيجتها على أرض الواقع.
إذا كانت المحطات قد تعرضت لحريق أدى إلى اضطراب واسع في الكهرباء، فمن حق المواطن أن يعرف: لماذا حدث الحريق؟ وهل كانت هناك مؤشرات سابقة؟ وهل كانت إجراءات الوقاية والصيانة بالمستوى المطلوب؟ وهل توجد منظومة احتياطية قادرة على منع انهيار الخدمة عند خروج منشأة أساسية من الخدمة؟
هذه ليست أسئلة معارضة ولا أسئلة سياسية، وإنما أسئلة مواطن دفع ثمنها من وقته وأعماله وراحته، وربما من مصالحه الاقتصادية والصحية أيضًا.
ومن هذه الزاوية، فإن قرار رئيس الجمهورية تشكيل لجنة للتحقيق في أسباب الحريق هو الخطوة الأهم في هذه القضية. فالتحقيق وحده قادر على نقل النقاش من مستوى التصريحات والتطمينات إلى مستوى الحقائق.
أما تصريح الناطق باسم الحكومة، الحسين ولد مدو، بأن الحريق كانت له انعكاسات كبيرة على الخدمات الأساسية، لكنه لا يمس المكاسب والاستثمارات في قطاع الطاقة، فهو مفهوم من زاوية الدفاع عن حصيلة الحكومة، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش.
بل على العكس، فإن الحديث عن الاستثمارات يجعل الحاجة إلى التحقيق أكثر إلحاحًا.
فكلما زادت الاستثمارات، ارتفعت توقعات المواطنين من مستوى الخدمة، وأصبح من المشروع مساءلة الجهات المسؤولة عندما يقع خلل كبير.
لا أحد يطالب بإلغاء الإنجازات بسبب حادث، ولا أحد يطالب كذلك بتجاهل الحادث بحجة وجود إنجازات.
المطلوب ببساطة هو الحقيقة.
فإذا أثبت التحقيق أن ما حدث كان حادثًا عرضيًا لا علاقة له بالإهمال أو ضعف الصيانة، فليُعلن ذلك للرأي العام، ولتتحمل النتائج مسؤوليتها الطبيعية.
أما إذا كشف التحقيق عن أخطاء أو تقصير أو خلل في إجراءات الصيانة والسلامة، فإن الواجب يقتضي تحديد المسؤوليات ومعالجة مكامن الخلل، بدل الاكتفاء بالحديث عن الإنجازات.
وهنا تحديدًا يصبح موقف الرئيس أكثر أهمية من أي تصريح سياسي؛ لأن أمر التحقيق يعني أن الدولة نفسها تريد معرفة ما حدث، وليس فقط طمأنة المواطنين إلى أن الأمور تحت السيطرة.
لذلك، فإن الحكم النهائي لا ينبغي أن يكون للرئيس ولا للوزير ولا للمعارضة ولا لوسائل التواصل الاجتماعي.
الحكم يجب أن يكون لنتائج التحقيق.
وعلى الحكومة أن تدرك أن المواطن الموريتاني لم يعد يريد فقط سماع أن قطاع الكهرباء شهد استثمارات كبيرة؛ بل يريد كهرباء مستقرة، ومنشآت آمنة، وصيانة منتظمة، وخطة واضحة للتعامل مع الطوارئ، ومحاسبة حقيقية عندما يثبت التقصير.
لقد كشفت هذه الحادثة، في الحد الأدنى، أن قطاع الكهرباء ما زال يحمل نقاط ضعف تستحق الدراسة والمعالجة.
والأفضل للحكومة أن تنظر إلى الحادث باعتباره فرصة لمراجعة المنظومة بدل اعتباره مجرد واقعة يجب تجاوزها إعلاميًا.
فالمكاسب الحقيقية لا تُقاس فقط بما أنفق على المنشآت، وإنما بقدرة تلك المنشآت على الصمود عندما تقع الأزمات.
وفي انتظار نتائج لجنة التحقيق، يبقى السؤال الذي ينتظر الموريتانيون إجابته:
ماذا حدث بالضبط في محطتي التحويل؟ ومن المسؤول عن الخلل إن ثبت وجوده؟ والأهم.. ماذا ستفعل الدولة حتى لا يتكرر ما حدث؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى