هل ما زال الكتاب الورقي مهما ؟ / بقلم: ياسين محمد براهيم الخليل

في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا جزءا أساسيا من حياتنا ، تغيرت طريقة وصولنا إلى المعرفة والقراءة فلم يعد القارئ مضطرا إلى الذهاب إلى المكتبة بحثا عن كتاب بل أصبح بإمكانه الوصول إلى آلاف الكتب من خلال هاتفه في دقائق ومع انتشار الكتب الإلكترونية بدأ سؤال يطرح نفسه هل ما زال الكتاب الورقي مهما؟
بالنسبة إلي ما زلت أرى أن الكتاب الورقي يحتفظ بأهميته ولا أعتقد أن التطور التكنولوجي قادر على إلغاء مكانته تماما فالكتاب الورقي بالنسبة إلى كثير من القراء ليس مجرد وسيلة للحصول على المعلومات بل تجربة مختلفة نشعر بها أثناء القراءة ونحتفظ بذكرياتها
ومن أكثر الأشياء التي تجعلني أفضل الكتاب الورقي أنني أشعر براحة أكبر أثناء قراءته بعيدا عن المشتتات التي تصاحب استخدام الهاتف فعندما أقرأ من الهاتف قد يظهر إشعار أو رسالة تجعلني أترك الكتاب وأنتقل إلى شيء آخر بينما يمنحني الكتاب الورقي مساحة أكبر للتركيز على ما أقرأه
وهنا تظهر إحدى المشكلات التي أعتقد أنها جعلت بعض الشباب يبتعدون عن القراءة فالهاتف لا يقدم الكتب فقط وإنما يقدم عددا هائلا من المحتويات التي تتنافس على انتباه الإنسان ولذلك قد يبدأ الشاب بقراءة كتاب إلكتروني ثم يجد نفسه ينتقل من تطبيق إلى آخر دون أن يكمل ما بدأه
ومع ذلك لا يمكن أن ننكر أن للكتاب الإلكتروني مميزات مهمه فهو أكثر سهولة في الوصول ويمكن حمل عدد كبير من الكتب في جهاز واحد ولهذا أجد نفسي أحيانا أختار الكتاب الإلكتروني رغم أنني أفضل الكتاب الورقي
وهذا يجعلني أرى أن القضية ليست في اختيار أحدهما وإلغاء الآخر فالكتاب الإلكتروني سهل الوصول إلى المعرفة وفتح أمام القارئ أبوابا واسعة لم تكن متاحة بالسهولة نفسها من قبل أما الكتاب الورقي فما زال يحتفظ بتجربة خاصة لا يجدها بعض القراء في الشاشة
والكتاب الورقي أيضا يحمل قيمة تتجاوز محتواه يستطيع القارئ أن يضع ملاحظاته على صفحاته وأن يعود إلى مقاطع أحبها وبعد سنوات قد يرى الكتاب نفسه فيتذكر أين كان عندما قرأه وماذا كان يشعر في ذلك الوقت وهكذا يصبح الكتاب جزءا من ذاكرة صاحبه وليس مجرد مجموعة من الصفحات
وقد يقول شخص لماذا أشتري كتابا ورقيا وأنا أستطيع الحصول على آلاف الكتب في هاتفي
وأعتقد أن الإجابة بسيطة امتلاك آلاف الكتب لا يعني أنك قرأت واحدا منها ، فالقيمة ليست في عدد الكتب التي نمتلكها وإنما في الأفكار التي نقرأها ونفهمها ونحتفظ بها وقد يمنح كتاب واحد نقرأه بصدق فكرة تغير طريقة تفكيرنا بينما قد تبقى مئات الكتب على الهاتف دون أن نفتحها.
ومن جهة أخرى لا أرى أن الهاتف يجب أن يكون عدوًا للقراءة فطريقة استخدامنا له هي التي تحدد فائدته يمكن أن نستخدمه للوصول إلى الكتب الإلكترونية والبحث عن ترشيحات جديدة ومتابعة الكتاب والمبادرات الثقافية بل ويمكن أن يكون سببا في اكتشاف كتاب لم نكن نعرفه من قبل
لذلك لا أعتقد أن الحل هو مطالبة الشباب بترك هواتفهم والعودة إلى الكتب الورقية فقط فهذا غير واقعي الأفضل أن نساعدهم على تحقيق التوازن وأن نجعل القراءة قريبة من اهتماماتهم وأن نوفر لهم كتبا متنوعة ومبادرات ومسابقات تشجعهم على القراءة.
كما يجب ألا نقدم القراءة للشباب باعتبارها واجبا فقط بل باعتبارها فرصة لاكتشاف أفكار وتجارب وعوالم جديدة فإذا وجد الشاب الكتاب الذي يناسب اهتمامه فقد تتحول القراءة من مهمة يجب القيام بها إلى عادة يحبها ويبحث عنها بنفسه.
أما بالنسبة إلي فإن أكثر ما يجعلني أستمر في قراءة كتاب حتى نهايته هو شعوري بأن كل صفحة تحمل شيئا لم أعرفه بعد أحيانا تكون الفكرة هي التي تدفعني إلى الاستمرار وأحيانا تكون شخصية في الرواية وأحيانا يكون الفضول لمعرفة إلى أين سيصل الكاتب وعندما أبدأ كتابا أشعر أن بيني وبينه وعدا أن أمنحه وقتي وأن أخرج منه بشيء جديد
ولو اختفى الكتاب الورقي تماما وأصبح كل شيء إلكترونيا فسأشعر بالحزن ليس لأنني أرفض التطور فأنا أؤمن أن للقراءة الإلكترونية فوائد كثيرة ولكنني سأفتقد صوت تقليب الصفحات ورائحة الكتب وشعور أنني أمسك عالما كاملا بين يدي، ومع ذلك لن أتوقف عن القراءة لأنني لا أقرأ من أجل شكل الكتاب فقط وإنما لأنني أبحث في كل كتاب عن فكرة ومعرفة وشعور وعالم جديد
وفي النهاية أرى أن الكتاب الورقي ما زال مهما حتى في عصر التكنولوجيا لكن أهميته لا تعني أن نحارب الكتاب الإلكتروني أو نرفض التطور فلكل وسيلة مميزاتها ويمكن للاثنين أن يتعايشا ويخدما القارئ بطرق مختلفة
قد تتغير طريقة القراءة وقد تصبح الشاشات أكثر حضورا في حياتنا لكن ما يجب ألا يتغير هو حاجتنا إلى المعرفة ورغبتنا في القراءة والتفكير
فالكتاب الورقي قد يتغير حضوره مع الزمن لكنه ما دام قادرا على أن يمنح القارئ تجربة وذكرى وفكرة فسيبقى له مكانه
المصدر : الكاتبة




