الأخبارالصدى الثقافيفضاء الرأي

كتب الدكتور الهادي ولد منير الطلبة:«معلم في قرية نائية.. حين يتحول التعليم إلى مشروع للوعي»

الدكتور:الهادي المنير الطلبة رئيس جمعية الإرادة الخيرية

قبل مدة وفي احدى رحلاتي لجمعية الإرادة الخيرية، مررت في طريقي بصديق توقفت عنده للمقيل، فأكرمني كعادته، ووجدت عنده صديقا له كان يقضي معه عطلة نهاية الاسبوع، قادما من قريته النائية التي يعمل فيها معلما.
جلسنا نتجاذب اطراف الحديث، وسرعان ما اكتشفت ان الرجل من اولئك المثقفين الذين لا يتركون لك فرصة كبيرة للمشاركة في الحديث، ليس تعاليا منهم، وانما لان الحديث معهم يحتاج الى قدر من الثقافة لم يكن متوفرا في حقيبة سفري.
فاخترت السلامة، وجلست مستمعا مستمتعا.
وحين انتهى المقيل وحان وقت مغادرتي نحو عاصمة احدى المقاطعات لتدشين مشروع خيري، قرر صديق صديقي أن يرافقني في الطريق، بحكم ان وجهتنا واحدة.
وهكذا وجدتني في صحبة معلم مدرسة ابتدائية في قرية بعيدة على الحدود استمتعت بحديثه عن يومياته وعن صعوبات الحياة وأكثرت عليه الأسئلة!
وكنت اظن انني سآخذ منه صحبة الطريق، فإذا بي اخذ منه شيئا اكبر: اكتشافا جميلا.
ففي الطريق كان حديثه ينتقل بين التربية والثقافة والمجتمع والحياة، وكان واضحا أن الرجل لا يؤدي وظيفة التعليم فقط، بل يحمل معه مشروعا صغيرا للوعي.
ومع المساء، نزلنا ضيوفا على أهل بادية كرام، فكان لنا مبيت بدوي جميل، وسمر اجمل، وشيء من تلك الليالي التي لا تحتاج الى كهرباء ولا شبكة انترنت كي تشعر فيها بان العالم بخير.
وهناك في ذلك المكان البعيد، كنت اكثر سعادة باكتشاف هذا النوع من الشباب المثقف في طواقم التعليم الريفي.
نحن كثيرا ما نتحدث عن صعوبة العمل في القرى النائية، وعن المعلم الذي يذهب الى مدرسة بعيدة، ثم نختصر مهمته في شرح الدرس وتصحيح الكراسات.
والحقيقة ان المسألة اكبر من ذلك بكثير.
المعلم في القرية البعيدة ليس مجرد موظف يصل الى المدرسة صباحا وينصرف ظهرا. قد يكون في كثير من الاحيان المثقف الوحيد، وصاحب الرأي، والقدوة، والمرجع الذي يلجأ اليه الناس في أمور تتجاوز الكتاب المدرسي.
ولهذا فإن اختيار المعلمين الذين يتمتعون بالثقافة والوعي والقدرة على التواصل لهذه المناطق ليس ترفا إداريا، بل هو جزء من صناعة التغيير.
فالمعلم المثقف لا يلقن التلاميذ القراءة والكتابة فقط، بل يوسع افق القرية كلها.
وحتى لا أنساها كان معي حينها كتابا حديث الصدور، وكنت اقرأ منه كلما سنحت لي الفرصة. فطلب مني المعلم ان اعيره الكتاب.
استحييت ان ارد طلبه، فقلت له:
ابشر، متى انهيت قراءته اعطيتك اياه.
وها انا الى اليوم لم انه الكتاب.
ولا اظنني سافعل قريبا!
ليس لان الكتاب صعب، وانما لأن اتمام قراءته سيجعلني ملزما بالوفاء بوعدي، والرجل يبدو انه يتذكر الوعود جيدا! (حيلة من حيل الزوايا).
وفي صباحنا البدوي كان هاتفي قد فقد الشبكة تماما، وكنت لا اطمئن حتى اتصل بوالدتي -رحمها الله، فلاحظ قلقي، واخرج هاتفه ومده إلي قائلا:
هواتف المعلمين تعرف طريقة الحصول على الشبكة اكثر من غيرها. وكان الأمر كما قال رغم أن الشبكة واحدة!
ولا أدري هل كانت هذه مهارة مكتسبة من كثرة التنقل بين القرى يكتسبها الهاتف، ام أن المعلمين يتلقون مع شهادة التخرج دورة سرية في مطاردة الشبكة!
ثم بدأنا بصناعة الشاي، فقدمت له بعض حبات الكرته وامبسكيت (أو الكبده والذروة بلغة المعلمين)، فزادت الشاي طعما، وازادت الصحبة بالحديث معنى.
أوصلته عاصمة مقاطعته وغادرني ولم نلتق بعدها إلا في مراسلات يذكر فيها بالكتاب.
ولكنه ترك عندي انطباعا عن اولئك المعلمين الذين يعملون بعيدا عن المدن، في مدارس صغيرة، وقرى نائية، وربما في اماكن لا تصلها الشبكة الا بشق الانفس.
فهؤلاء لا يحتاجون منا فقط الى الشكر، بل يحتاجون الى حسن الاختيار، وحسن التكوين، وحسن التقدير.
فاذا اردنا ان نغير قرية، فلنبحث عن معلم يستطيع ان يغير وعيا.
واذا اردنا ان نصنع جيلا مختلفا، فلنضع في مدارسنا البعيدة اناسا يحملون العلم والثقافة وروح المبادرة، لا مجرد حقيبة مدرسية وجدول حصص.
لقد علمتني تلك الرحلة ان بعض مشاريع الخير لا تكون في صندوق جمعية، ولا في مبنى مدرسة، ولا في تدشين بئر او طريق.
احيانا يكون من اعظم مشاريع الخير ان تضع معلما مثقفا في قرية نائية.
فهو قد لا يحفر بئرا، لكنه يحفر في العقول مجرى جديدا للمستقبل.
وقد لا يشيد مبنى كبيرا، لكنه يبني انسانا.
وقد لا يجد شبكة هاتف حين يحتاجها، لكنه يستطيع ان يصنع شبكة من الوعي تمتد الى أبعد من حدود قريته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى