هل تصنع السعودية بتحالف مكة معادلة القوة الجديدة في المنطقة؟
( تقارير الصدى) – كتب : محمد عبد الرحمن /
لم يكن توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في السابع من أغسطس المنصرم 2026 مجرد خطوة إضافية في مسار التعاون العسكري بين ثلاث دول ذات ثقل إقليمي مشهود ويحسب له ألف حساب دوليا وإقليميا، بل يعتبر تطوراً يحمل مؤشرات أوسع على إعادة تشكيل بيئة الأمن في المنطقة. فقد نص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعامل باعتباره هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي بمختلف مستوياته.
ثلاث قوى.. وثقل سعودي في قلب المعادلة
وتستمد المبادرة وزنها من اجتماع عناصر قوة يصعب تجاهلها ، تتجسد في المملكة العربية السعودية بثقلها الاقتصادي والسياسي وموقعها الجيوستراتيجي، وتركيا بقدراتها العسكرية والصناعات الدفاعية المتطورة، وباكستان بجيشها الكبير وخبرتها العسكرية وقدراتها الاستراتيجية. لكن العنصر الأكثر دلالة هو أن هذا الترتيب وُلد في مكة، وبرعاية سعودية مباشرة، وبحضور ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، ما يجعل الرياض تبدو مركز الثقل السياسي لهذا التكتل الجديد.
محمد بن سلمان.. من تنويع الشراكات إلى تنويع الردع
يصعب فصل التحالف الجديد عن التحول الأوسع الذي قادته السعودية خلال السنوات الأخيرة في مفهومها للأمن والعلاقات الدولية. فالمملكة لم تعد تتعامل مع الشراكات الدولية باعتبارها علاقة أحادية الاتجاه، وإنما تتحرك نحو بناء شبكة متعددة المستويات من العلاقات، تجمع الولايات المتحدة والقوى الغربية، إلى جانب تركيا وباكستان والصين وروسيا وغيرها.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة دور الأمير محمد بن سلمان باعتباره دور مهندس لإعادة تموضع السعودية؛ فالرجل لا يبدو معنياً باستبدال حليف دولي بآخر، بقدر ما يعمل على توسيع هامش الحركة السعودية وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للقوة والحماية.
ويكتسب “اتفاق مكة” أهمية إضافية لأنه جاء بعد اتفاق الدفاع المشترك السعودي ـ الباكستاني في 2025، قبل أن تنضم إليه تركيا، بما يشير إلى أن الرياض كانت تتحرك تدريجياً نحو بناء صيغة أوسع للردع.
الرسالة العسكرية : الاقتراب من معادلة «الاعتداء على واحد اعتداء على ثلاثة»
أخطر ما في الاتفاق ليس عدد الطائرات أو الجنود أو حجم الترسانات التي تمتلكها الدول الثلاث، وإنما المبدأ السياسي ـ العسكري الذي يؤسسه: رفع كلفة استهداف أي دولة من الدول الأعضاء، عبر تحويل الاعتداء عليها إلى قضية جماعية.
ومع ذلك، فإن المهنية تقتضي عدم وصف التحالف حتى الآن بأنه «ناتو إسلامي» مكتمل الأركان؛ فالالتزامات العملياتية وآليات القيادة المشتركة والاستجابة العسكرية ما تزال بحاجة إلى البناء. لكن الخطوة التالية جاءت سريعاً؛ ففي 31 أغسطس المنصرم، عقدت اللجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية أول اجتماع لها في إسطنبول، واتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة عامة للتحالف في السعودية، وعلى تطوير التعاون الصناعي والتكنولوجي والدفاعي المشترك ، وهنا تتحول الفكرة من إعلان سياسي إلى مؤسسة قابلة للتطور.
الرياض تقول لمن يهمه الأمر: أمننا لن يبقى رهينة مظلة واحدة
ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي تبعث بها السعودية إلى مراكز القرار الدولي.
فالرياض لا تقول إنها تدير ظهرها للولايات المتحدة أو للغرب، ولا تقدم التحالف باعتباره بديلاً عن الشراكات القائمة، لكنها تقول بوضوح إن الأمن السعودي لم يعد ملفاً يمكن اختزاله في علاقة ثنائية واحدة.
إن بناء شراكة دفاعية مع دولة نووية مثل باكستان، ودولة ذات ثقل عسكري وصناعي مثل تركيا، يضيف إلى الموقف السعودي أوراقاً جديدة في الحسابات الاستراتيجية. والأهم أنه يمنح الرياض قدرة أكبر على التفاوض من موقع الشريك الذي يمتلك بدائل، لا من موقع الطرف الذي يحتاج دائماً إلى ضمانة خارجية.
وهذه الرسالة، وإن لم تُصغ بهذه الكلمات، تصل إلى واشنطن والعواصم الغربية وموسكو وبكين والعواصم الإقليمية في آن واحد: السعودية تريد علاقات استراتيجية واسعة، لكنها لا تريد اعتماداً استراتيجياً حصرياً.
أنقرة وإسلام آباد.. شريكان مختلفان لمعادلة واحدة
بالنسبة لتركيا، يوفر التحالف قناة جديدة لتعزيز حضورها الأمني والاقتصادي في الخليج، ويفتح أمام صناعاتها الدفاعية سوقاً وشراكات استراتيجية أوسع. أما باكستان فتحصل على موقع متقدم داخل ترتيبات أمنية تتجاوز جنوب آسيا، فضلاً عن شراكة وثيقة مع المملكة العربية السعودية.
لكن السعودية هي الطرف الذي يجمع بين البعدين: التمويل والاستثمار والنفوذ السياسي والموقع الجغرافي والمكانة الإسلامية. ولذلك فإن وضع أمانة التحالف في الرياض ليس تفصيلاً إدارياً عابراً، بل مؤشر إضافي على مركزية المملكة في المشروع.
تحالف قابل للتوسع.. أم اختبار لولادة نظام أمني جديد؟
الأكثر إثارة أن التحالف لا يبدو مغلقاً بالضرورة. فقد تحدث مسؤولون أتراك وباكستانيون عن إمكانية انضمام دول أخرى، فيما طُرحت دول إقليمية كأعضاء محتملين في المستقبل.
ومن هنا تكمن أهمية هذه التجربة لكون نجاحها لن يقاس فقط بقدرتها على ردع تهديد عسكري، وإنما بقدرتها على بناء هندسة أمنية إقليمية أكثر استقلالاً وتوازناً.
وفي الحساب النهائي، تبدو السعودية أمام معادلة جديدة فحواها بالمختصر المفيد أنها لا تبحث عن حرب، ولا تعلن قيام محور ضد أحد، لكنها تبني لنفسها ولحلفائها قدرة أكبر على الردع. أما الرسالة التي يلتقطها صناع القرار الدولي فهي أن السعودية في عهد محمد بن سلمان لا تنتظر فقط أن يصنع الآخرون توازنات المنطقة؛ إنها تريد أن تكون شريكاً رئيسياً في صناعتها.
وهنا تحديداً تتجاوز دلالة «تحالف مكة» حدود الاتفاق العسكري، لتقترب من إعلان سعودي هادئ عن مرحلة جديدة من الاستقلالية الاستراتيجية.




