العراق في الخارطة الجديدة.. هل ينجو “التابع” من زلزال سقوط “المتبوع”؟ / كتب: ا.د كريم فرمان

المصدر : الكاتب /
لم يعد تلازم المسارات بين بغداد وطهران مجرد تحالف سياسي عابر، بل تحول عبر السنوات إلى ارتباط عضوي ومصيري، ربطت فيه النخب الحاكمة في العراق جغرافيا بلادهم وثرواتها بعجلة نظام “ولاية الفقيه”. واليوم، بينما يعيش الشرق الأوسط مخاض ولادة خارطة جيوستراتيجية جديدة تتهاوى فيها هوامش النفوذ الإيراني في سوريا وتحت وطأة الاختناق المالي الأمريكي، يجد العراق نفسه أمام معضلة وجودية؛ إذ تشير كافة الإحداثيات إلى أن سقوط المتبوع في طهران بات مسألة وقت، مما يضع التابع في بغداد أمام حتمية مواجهة ارتدادات الزلزال وحيداً، في وقت ينهض فيه محور إقليمي وازن كطوق نجاة لا بديل عنه.
حلف مكة الجديد: صعود قوى الميزان
في المقابل، تشهد المنطقة ولادة تكتل إقليمي وازن يُمثّل “طوق نجاة” حقيقي للأمن القومي العربي والخليجي، وهو ما يمكن تسميته بـ “حلف مكة الجديد”. يتكئ هذا المحور الناهض على ثلاثة مرتكزات جيوستراتجية فائقة القوة:
1. باكستان: بما تمثله من عمق استراتيجي وقوة نووية رادعة.
2. تركيا: التي تحولت إلى قوة إقليمية عظمى (Superpower) بفضل براغماتيتها السياسية،ونهضتها الاقتصادية، وصناعاتها الدفاعية المتطورة، فضلاً عن مظلة حلف الناتو.
3. المملكة العربية السعودية: القوة المالية الكبرى، وأكبر مُصدّر للطاقة في العالم، والتي تقود اليوم سياسة براغماتية نشطة وديناميكية برؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
يتعزز هذا الحلف بقواعد دعم وإسناد حيوي يمتد من الأردن والكويت، وصولاً إلى المتغيرات الجارية في سوريا، مع مؤشرات واضحة ورغبة مصرية في حجز موضع قدم رئيسي في هذا المحور لتكتمل حلقة التوازن الإقليمي.
زلزال الساحة السورية : قطع شريان النفوذ الإيراني
تأتي التحولات المتسارعة الحالية في سوريا لتعيد رسم الحدود الجيوستراتجية للمنطقة بعيداً عن الرغبة الإيرانية، وتوجه ضربة قاصمة لـ “محور المقاومة” الممتد من طهران إلى بيروت. لطالما شكلت الجغرافيا السورية الرئة اللوجستية التي تتنفس منها الفصائل الموالية لولاية الفقيه، والممر البري الإجباري لتهريب السلاح والمقاتلين عبر الحدود العراقية-السورية (تحديداً ممر القائم-البوكمال).
اليوم، ومع انحسار وتراجع نفوذ النظام السوري الحليف لطهران وتحت وطأة الضغط العسكري، يعيش هذا المحور حالة “انقطاع اتساق جغرافي”. إن فقدان السيطرة على العقد الحيوية والمطارات والطرق الدولية داخل سوريا يعني عملياً:
* عزل الفصائل العراقية داخل حدودها: تحولها من أدوات إقليمية هجومية إلى كيانات محاصرة جغرافياً.
* تجميد خط الإمداد العسكري: توقف تدفق الصواريخ والمسيرات والعتاد الإيراني نحو هوامش المحور الإقليمية.
* سقوط نظرية وحدة الساحات: تحول كل فصيل للدفاع عن مكتسباته المحلية بعد انهيار حلقة الوصل السورية الحاكمة.
رهان بغداد الخاسر وعقبة “الدولار”
أمام هذا المشهد المتكامل، يبدو العراق وكأنه وضع كل رهاناته السياسية والاقتصادية في السلة الإيرانية الخطأ، عبر حكومة ومؤسسات تفتقر للخبرة والمناورة البراغماتية. تجد بغداد نفسها اليوم في مواجهة دولة شبه مفلسة مكبلة بـ “سلاح الدولار” الأمريكي؛ حيث تتحكم واشنطن عبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشريان السيولة النقدية للعراق، مانعةً أي محاولة لتهريب العملة الصعبة لدعم الخزانة الإيرانية المحاصرة.
هذا الضغط المالي لم يعد مجرد إجراء تقني، بل تحول إلى أداة خنق سياسي تجعل من الصعب على النخبة الحاكمة في بغداد المناورة أو الإفلات من تداعيات الصراع.
ارتدادات السقوط الإيراني على الساحة العراقية
إن أي انهيار مرتقب للنظام الإيراني بفعل العقوبات أو الانفجار الشعبي الداخلي، والمعزز بخسارته للورقة السورية، لن يتوقف عند حدود جغرافيته. ستمتد الارتدادات فوراً وبشكل دراماتيكي إلى الساحة العراقية عبر مسارين:
* تفكك شبكات النفوذ: ستفقد الميليشيات المرتبطة بطهران الغطاء المالي واللوجيستي والأيديولوجي الذي يضمن بقاءها، مما يضعها في مواجهة مباشرة مع بيئة محلية ناقمة.
* الفراغ الأمني والسياسي: قد تشهد البلاد اضطرابات داخلية حادة نتيجة تمسك تلك الفصائل بمكتسباتها ومقاومتها للتغيير الحتمي بعد شعورها باليتم السياسي والجغرافي.
خاتمة: الممر الإجباري نحو العمق العربي
لا يملك العراق ترف الوقت للاستمرار في دور “التابع”. إن النجاة من تداعيات الزلزال القادم تتطلب من القوى العاقلة في بغداد إدراك أن الانعتاق من الهيمنة الإيرانية ليس مجرد خيار سياسي، بل هو مسألة وجود. إن الممر الإجباري لإنقاذ الدولة العراقية من الإفلاس والانهيار يكمن في فك الارتباط بمحور ولاية الفقيه الآفل، والاندماج السريع والبراغماتي في “حلف مكة الجديد” والعودة إلى الحاضنة العربية، باعتبارها الضمانة الوحيدة لاستعادة السيادة والاستقرار الاقتصادي والأمني.




