حين يلتقي تاريخ النقد بمستقبل الإقتصاد النقدي .. دروس اجتماع البنوك المركزية الفرنكوفونية في نواكشوط
من الأوقية والاستقلال النقدي إلى الذكاء الرقمي والأمن السيبراني والشمول المالي: كيف تستعد البنوك المركزية لعصر مالي جديد؟
(الصدى – أقتصاد- تقرير إخباري)- لم يكن الاجتماع السنوي العشرون لمجموعة مديري التكوين في البنوك المركزية الفرنكوفونية، الذي استضافته نواكشوط بين 22 و24 سبتمبر الجاري، مجرد لقاء لتبادل الخبرات في مجال التدريب المصرفي، بل تحول إلى منصة لمناقشة مستقبل المؤسسات النقدية في بيئة تتسارع فيها التحولات التكنولوجية والمالية، وتتزايد فيها المخاطر السيبرانية، وتتوسع الحاجة إلى خدمات مالية أكثر شمولاً وقدرة على الوصول إلى الشباب والنساء والمؤسسات الصغيرة.
واستضاف البنك المركزي الموريتاني أعمال الاجتماع تحت شعار: «التكوين، رافعة استراتيجية للتسيير التوقعي للوظائف والكفاءات»، بمشاركة وفود رفيعة المستوى من عدد من البنوك المركزية والمؤسسات المصرفية الفرنكوفونية، بينها بنك فرنسا، والبنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO)، وبنك دول إفريقيا الوسطى (BEAC)، وبنك مدغشقر، والبنك المركزي التونسي، إلى جانب مؤسسات أخرى أعضاء في المجموعة. وحضر الافتتاح سفير فرنسا في نواكشوط.
وترأس الجلسة الافتتاحية محافظ البنك المركزي الموريتاني محمد الأمين ولد الذهبي، الذي وضع النقاش في سياق التحولات التي تواجه العمل المصرفي، مشيراً إلى تسارع التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، والتوترات الجيوسياسية، وتطور أنظمة الدفع، فضلاً عن المخاطر المناخية والسيبرانية، وهي عوامل تفرض على البنوك المركزية تطوير قدراتها وكفاءاتها بصورة مستمرة.
ومن الجانب الموريتاني، برزت مداخلة آمنة عالي، المديرة العامة للاستراتيجيات والميزانية والموارد البشرية، التي ركزت على دور التكوين ونقل المعرفة وتبادل الخبرات في بناء القدرات المؤسسية، وعلى ضرورة استشراف الوظائف والمهارات التي ستحتاج إليها المؤسسات المصرفية في المستقبل. كما شارك أنسيلم إيمبير، مدير المعهد المصرفي والمالي الدولي ورئيس مجموعة مديري التكوين في البنوك المركزية الفرنكوفونية، في أعمال الافتتاح، مشيداً بدور موريتانيا داخل المجموعة وباستضافتها للدورة العشرين.
من التدريب إلى إعادة تشكيل الكفاءات
وتجاوزت النقاشات مفهوم التدريب التقليدي إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية إعداد الموارد البشرية لمؤسسات مالية تتغير وظائفها بسرعة. فالتحول الرقمي وتطور أنظمة الدفع يفرضان مهارات جديدة، بينما أصبح الأمن السيبراني جزءاً من منظومة الاستقرار المالي، وليس مجرد ملف تقني منفصل. وقد أشار محافظ البنك المركزي صراحة إلى المخاطر السيبرانية ضمن التحديات التي ينبغي أن تستجيب لها برامج تطوير الكفاءات.
وفي السياق ذاته، يبرز الشمول المالي كأحد المسارات التي تجعل تطوير الكفاءات مرتبطاً مباشرة بالاقتصاد والمجتمع. فاستراتيجية موريتانيا الوطنية للشمول المالي 2023–2028 تستهدف النساء
والشباب والمشروعات متناهية الصغر والصغيرة، إلى جانب سكان المناطق الريفية والفئات الأقل استفادة من الخدمات المالية، وتضع تطوير المالية الرقمية والتثقيف المالي وحماية المستهلك وتمويل المشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي ضمن أهدافها الأساسية.
وتعكس هذه المقاربة تحولاً في وظيفة التكنولوجيا المالية: من مجرد وسيلة أسرع للدفع والتحويل إلى أداة يمكن أن توسع الوصول إلى الادخار والتمويل والخدمات المالية، وتساعد رواد الأعمال الشباب والنساء وأصحاب المؤسسات الصغيرة على الاندماج بصورة أكبر في الدورة الاقتصادية الرسمية.
رئاسة موريتانية للمجموعة
واختتمت أعمال الاجتماع بانتقال رئاسة مجموعة مديري التكوين في البنوك المركزية الفرنكوفونية إلى موريتانيا، ممثلة في آمنة عالي، المديرة العامة للاستراتيجيات والميزانية والموارد البشرية بالبنك المركزي الموريتاني. ويمنح انتقال الرئاسة لنواكشوط موقعاً إضافياً داخل شبكة التعاون بين البنوك المركزية الأعضاء، في وقت تتجه فيه المجموعة إلى تعزيز تبادل الخبرات في تطوير رأس المال البشري ومواكبة التحولات المؤسسية والتكنولوجية.
الأوقية تستعيد ذاكرتها
ولم يخلُ الحدث من بعد وطني وثقافي؛ إذ أطلق البنك المركزي، في 23 سبتمبر، كتاب «تاريخ النقود في موريتانيا – البنك المركزي الموريتاني والاستقلال النقدي»، من تأليف البروفيسور عبد الودود ولد الشيخ والدكتور محمد فال ولد باه. ويعد الإصدار، وفق البنك المركزي، أول عمل يخصصه لهذه المؤسسة لتاريخ العملة الوطنية، متتبعاً تطور وسائل التبادل في البلاد وصولاً إلى إنشاء الأوقية سنة 1973، والمسار الذي قاد إلى اعتماد العملة الوطنية، ودور البنك المركزي في بناء الاستقلال النقدي وتطور المؤسسة وموقعها في التنمية الاقتصادية والمالية.
وهكذا جمعت نواكشوط، خلال أيام الاجتماع، بين ذاكرة النقد ومستقبل المال: كتاب يوثق الطريق إلى الأوقية والاستقلال النقدي، ونقاشات تبحث في الكفاءات التي تحتاجها البنوك المركزية لمواجهة اقتصاد رقمي أكثر تعقيداً، ومخاطر سيبرانية متصاعدة، ونظام مالي يُراد له أن يكون أكثر شمولاً للشباب والنساء والمؤسسات الصغيرة.








