الرئيس غزواني يطرح السؤال الصعب: «إلى أين نسير؟»… ما هي الدواعي والمؤشرات؟(افتتاحية)

كتب : المدير العام رئيس التحرير محمد عبد الرحمن المجتبى
لم تكن زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لولايتي آدرار وإنشيري مجرد جولة ميدانية لتدشين مشاريع أو تفقد منشآت والاستماع إلى مطالب المواطنين فقط، فقد حملت الزيارة، في خطابها السياسي، ما هو أبعد من برنامجها المعلن، حيث قرر الرئيس أن يضع أمام الموريتانيين سؤالاً بالغ الدلالة وهو «إلى أين نسير؟»
سؤال جوهري كهذا لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد عبارة عابرة في خطاب رئاسي، سيما اذا كان الرئيس اختار له السياق السياسي و المكاني المناسبين حيث أعاده إلى سياقه التاريخي، مستحضراً روح الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، الذي طرح السؤال ذاته في مدينة “أطار” خلال مرحلة كانت فيها موريتانيا تبحث عن ملامح الدولة التي تريد أن تبنيها.
اليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود على الاستقلال، يعيد رئيس موريتاني جديد طرح نفس السؤال من نفس المكان ولكن في وضع مختلف قليلا ، فالدولة اليوم لها مؤسساتها وتجربتها السياسية، ومجتمعها تغيرت تركيبته وتطلعاته، واقتصادها يواجه تحديات متجددة، وتوجد في منطقة إقليمية شديدة التحول. ولذلك يكون استدعاء الرئيس غزواني لسؤال الرئيس المؤسس المختار أقرب إلى محاولة لفتح نقاش حول الدولة التي نملكها والدولة التي نريدها، وليس مجرد استحضار رمزي للتاريخ.
في خطابات الرئيس غزواني خلال محطات زيارة آدرار وانشيري برزت لهجة صريحة في تشخيص الواقع. فهو لم يقدم صورة وردية عن البلاد، ولم يختزل الحصيلة في ما تحقق من استقرار أو مشاريع،في عهده ، بل أقر بوجود اختلالات وتحديات ومشكلات تحتاج إلى معالجة، مؤكداً أن ما تحقق لا يعني أن المسار بلغ نهايته، ولا أن ما هو قائم لا يحتاج إلى مراجعة وتطوير.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات السؤال الرئاسي: هل نحن أمام مراجعة لمسار الدولة، أم أمام محاولة لتصحيح مسار داخل النهج القائم؟
الإجابة لا تزال مفتوحة، وربما من المبكر استعجالها قبل أن تتبلور مخرجات الحوار الوطني المرتقب. لكن المؤشرات التي ظهرت في خطاب الرئيس تسمح بقراءة السؤال باعتباره دعوة إلى نقاش يتجاوز الأشخاص والحكومات والمواسم الانتخابية، ليمس طبيعة العقد الوطني، وفعالية المؤسسات، والعدالة والإنصاف، والمواطنة، وتماسك المجتمع، وقدرة الدولة على الاستجابة لتحولات الحاضر.
واللافت أن الرئيس لم يكتفِ بطرح الأسئلة، بل حاول ربط المرحلة الراهنة بمشروع التأسيس نفسه. وهي إشارة سياسية ذات وزن، لأنها تقول إن بناء الدولة ليس فعلاً تاريخياً اكتمل بانتهاء مرحلة الاستقلال، وإنما عملية مستمرة، وأن الوفاء لفكرة المؤسس قد يكون، في أحد معانيه، مواصلة طرح الأسئلة التي واجهت موريتانيا منذ نشأتها، لا الاكتفاء بترديد الأجوبة القديمة.
لكن كيف تعاطت النخب السياسية مع هذه الرسائل التي أراد الغزواني إبراقها من “مدن الماضي الحاضري والمستقبل الاقتصادي” ؟
الواقع أن بعض القراءات ذهبت إلى وضع حديث الرئيس في سياقات سياسية ضيقة، فيما اختار آخرون التعامل معه باعتباره إعلاناً عن مرحلة جديدة. وفي المقابل، جاءت قراءات أكثر التصاقاً بمضمون الخطاب، ومنها تفسير الوزير الأسبق أحمد ولد سيدي باب، الذي رأى في سؤال «إلى أين نسير؟» مدخلاً إلى نقاش أوسع حول المواطنة والوئام الوطني والهوية والعلاقات بين مكونات المجتمع.
إن الفرق بين السؤالين جوهري، وربما كان من الأجدى للنخب أن تناقش الفكرة قبل توظيفها في سجالات سياسية عابرة.
أما في الشارع، فقد بدت الزيارة مختلفة. فقد منح التواصل المباشر الرئيس فرصة للاستماع إلى المواطنين، وقدم في المقابل صورة عن رئيس يريد أن يشرح للناس وضع البلاد لا أن يكتفي بعرض المنجزات.
أما السؤال الأهم فهو هل كانت آدرار وإنشيري مجرد محطتين في برنامج رئاسي، أم تمهيداً نفسياً وسياسياً لما سيأتي… ؟
فإذا كان سؤال «إلى أين نسير؟» تمهيداً لحوار وطني، فإن الرأي العام ينتظر أن يعرف: ماذا سيُناقش؟ وما حدود الممكن؟ وما الذي أصبح قابلاً للمراجعة؟ وما الذي سيبقى ثابتاً؟ وهل تعني عبارة الموالاة «استمرار النهج» استمرار السياسات والأولويات والأدوات نفسها، أم استمراراً يقوم على تطوير النهج وتصحيح اختلالاته؟ أم أنها تعني استمرار النظام نفسه و الترتيب لذلك دستوريا على مستوى الرأي العام حاليا وعلى مستوى الحوار لاحقا
لقد أعاد غزواني، من آدرار، سؤال الرئيس المؤسس المختار ولد داداه رحمه الله إلى الواجهة ، والكرة الآن في ملعب جميع النخب الوطنية من سلطة و معارضة وموا لاة و مجتمع مدني وبكل تأكيد في مرمى الاعلاميين وقبل الجميع في مرمى المواطنين
فالسؤال «إلى أين نسير؟» لم يعد سؤال الرئيس وحده؛ بل سؤال دولة تبحث عن إجابة جديدة جادة على تحديات مرحلة متجددة، مما يعني أن السؤال حري بأن يكون هو وحده مدخلا ومحورا للحوار المرتقب، ذلك الحوار الذي على أساسه تستحدد مخرجات حوار يريد له البعض أن يرسم ملامح الدولة الموريتانية المدنية الحديثة ويريد له البعض الآخر ، “تكسير أقفال” تحول دون استمراية “نهج” بعض المسؤولين غير المسؤولين في العبث التنموي والردح السياسي بموارد دولة غنية ذات شعب الفقير !!
مــــــــفارقــــة !!
وما يربك المشهد أكثر هو اعتماد الرئيس غزواني “لنهج” المكاشفة والمصارحة مع مواطنيه لحد الاعتراف بالقصور و التقصير (في سابقة رئاسية) و طرح الأسئلة المحورية المؤرقة تنمويا وسياسيا ، فيما “تسير” موالاته السياسية في “نهج” مختلف يرى أنه “ليس بالامكان أبدع مما كان”..
و أمام مفارقة إشكالية مربكة ومريبة كهذه حري بنا أن نطرح مع فخامة الرئيس غزواني نفس السؤال .. إلى أين نسير ؟




