من “فاغنر” إلى “الفيلق الإفريقي”.. شراكة أمنية أم نفوذ روسي بوجه مختلف في إفريقيا؟
(الصدى – تقرير إفريقية)- لم تعد روسيا في إفريقيا مجرد قوة تبحث عن موطئ قدم جديد، بل أصبحت لاعباً أمنياً وعسكرياً حاضراً في عدد من أكثر بؤر القارة اضطراباً، خصوصاً في منطقة الساحل. ومع انتقال موسكو من نموذج «فاغنر» إلى «الفيلق الإفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية، تتغير البنية الرسمية للحضور الروسي، لكن الجدل حول أهدافه وكلفته الإنسانية لا يتراجع.
ففي مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وجدت موسكو شركاء جددًا بعد تراجع النفوذ العسكري الفرنسي والغربي، بينما وجدت حكومات الساحل في روسيا بديلاً عن شركاء أمنيين تقليديين لم تنجح جهودهم في إنهاء خطر الجماعات المسلحة.
لكن السؤال الذي يزداد حضوراً في النقاش الإفريقي والدولي هو: هل يمثل هذا التحول شراكة أمنية جديدة طلبتها حكومات إفريقية، أم أنه يعيد إنتاج نمط من النفوذ الخارجي تحت غطاء مكافحة الإرهاب؟
من «فاغنر» إلى «الفيلق الإفريقي».. تغيير الاسم أم إعادة تشكيل النفوذ؟
جاء «الفيلق الإفريقي» في سياق إعادة تنظيم الحضور العسكري الروسي في القارة بعد تفكك منظومة «فاغنر». وفي مالي، انتهى وجود «فاغنر» في يونيو 2025، ليحل محلها تشكيل مرتبط بصورة مباشرة بوزارة الدفاع الروسية.
وهنا ترى موسكو وحلفاؤها الأفارقة أن التحول يعكس انتقالاً من شركة عسكرية خاصة إلى تعاون حكومي ـ عسكري أكثر وضوحاً. فروسيا تقول إن وجودها يستند إلى طلب الحكومات الإفريقية، وإن قواتها تعمل على تدريب القوات المحلية ومساعدتها في مواجهة الجماعات المسلحة، من دون فرض نموذج سياسي أو شروط مرتبطة بالمساعدات.
وتجد هذه الرواية صدى لدى حكومات الساحل التي أعادت ترتيب علاقاتها الدولية، خصوصاً بعد توتر علاقاتها مع فرنسا وانسحاب قوات غربية من أجزاء واسعة من المنطقة.
لكن منتقدي موسكو يرون أن تغيير الهيكل القانوني والتنظيمي لا يعني بالضرورة تغير طبيعة الممارسة على الأرض، خصوصاً في ظل استمرار اتهامات بانتهاكات ارتكبها مقاتلون روس خلال المرحلة السابقة، وبقاء بعض عناصر «فاغنر» ضمن التشكيلات الجديدة.
الأمن في مواجهة الإرهاب.. لماذا فتحت إفريقيا أبوابها لموسكو؟
يصعب فهم التوسع الروسي من دون وضعه في سياق أمني شديد التعقيد.
فمنطقة الساحل تواجه منذ سنوات نشاط جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، فيما عجزت الحكومات المحلية والشركاء الدوليون عن إنهاء التهديد.
ومن هذا المنطلق، تقدم موسكو نفسها باعتبارها شريكاً أمنياً لا يتدخل في الخيارات السياسية الداخلية للدول المضيفة، ولا يربط التعاون العسكري بشروط سياسية مماثلة لتلك التي تضعها بعض الدول الغربية.
ويقول مؤيدو هذا المسار إن للدول الإفريقية حقاً سيادياً في اختيار شركائها الأمنيين، وإن استبدال القوات الفرنسية أو الغربية بالقوات الروسية لا يمكن وصفه تلقائياً بأنه احتلال، طالما أن الحكومات المعنية وافقت على وجودها.
لكن هذا الطرح يواجه سؤالاً آخر: ماذا يحدث عندما تتحول مكافحة الجماعات المسلحة إلى عمليات عسكرية توقع ضحايا مدنيين؟
من مكافحة الإرهاب إلى اتهامات بجرائم حرب
هنا تصبح الصورة أكثر قتامة، ففي 29 سبتمبر 2026، قالت منظمة العفو الدولية إن القوات المسلحة المالية وعناصر من «فاغنر» ارتكبوا، خلال عمليات مشتركة بين 2023 و2025، انتهاكات قالت إنها ترقى إلى جرائم حرب، بينها قتل وتعذيب مدنيين.
ووثقت المنظمة مقتل ما لا يقل عن 34 مدنياً في سبع مناطق مالية، وقالت إن بعض الضحايا قتلوا بعد توقيفهم أو أثناء محاولتهم الفرار، بينما تحدثت عن حالات تعذيب شملت الضرب والصعق الكهربائي والإيهام بالغرق. كما وثقت المنظمة ضربات بطائرات مسيرة قالت إنها قتلت 23 شخصاً، بينهم أطفال، ودعت إلى تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين.
ولا تتوقف الاتهامات عند مرحلة «فاغنر». ففي يوليو 2026، قالت هيومن رايتس ووتش إن طائرات تابعة لـ«الفيلق الإفريقي» نفذت غارات في وسط مالي أسفرت، بحسب تحقيقها، عن مقتل ثمانية مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال، في قرية كيرنيا. وقالت المنظمة إنها قابلت شهوداً ومصادر محلية وحللت صوراً للأقمار الصناعية ومقاطع مصورة مرتبطة بالغارة.
وفي أغسطس، اتهمت المنظمة نفسها عناصر «الفيلق الإفريقي» بقتل تسعة مدنيين، بينهم أربعة أطفال، وضرب عشرات الأشخاص وحرق منازل ونهبها في قرية بومبوري، خلال عملية قالت إنها استهدفت البحث عن أشخاص يشتبه بارتباطهم بجماعات مسلحة.
وتبقى هذه الاتهامات موضع نزاع ولم تتحول بمجرد صدورها إلى أحكام قضائية نهائية، كما أن الجماعات المسلحة نفسها متهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة ضد المدنيين. لكن تعدد التقارير الحقوقية يضع مسألة حماية المدنيين والمساءلة في قلب النقاش حول الحضور الروسي.
«احتلال جديد».. وصف سياسي أم واقع جيوسياسي؟
من هنا ظهر في الخطاب المناهض لموسكو وصف الحضور الروسي في إفريقيا بأنه «احتلال جديد»، أو إعادة إنتاج للنفوذ الأجنبي بأدوات مختلفة.
ويستند هذا الاتجاه إلى أن روسيا لا تقدم السلاح والتدريب فقط، بل تبني حضوراً أمنياً وسياسياً طويل الأمد في دول تعاني من ضعف المؤسسات وتحديات أمنية واقتصادية عميقة، بينما يظل المدنيون الحلقة الأضعف في الصراع.
غير أن وصف «الاحتلال» ليس توصيفاً قانونياً متفقاً عليه للحضور الروسي في الدول التي تستضيف قواته بناءً على اتفاقات أو طلبات رسمية. ولذلك فإن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بمشروعية وجود القوات الروسية، وإنما بكيفية ممارسة القوة، وبمدى استقلال القرار الوطني، وبالنتائج الأمنية والإنسانية المترتبة على هذا الوجود.
وبينما ترى موسكو وشركاؤها أن الفيلق الإفريقي أداة لمساعدة الدول على استعادة السيطرة على أراضيها ومواجهة الجماعات المسلحة، يرى منتقدوها أن تجربة السنوات الماضية تحمل مؤشرات على انتقال النفوذ من قوة خارجية إلى أخرى، دون أن تنتهي أزمات الإرهاب أو الفقر أو هشاشة الدولة.
وهكذا، فإن المعركة الروسية في إفريقيا لا تدور فقط حول من يملك السلاح والنفوذ، بل حول سؤال أعمق: هل يستطيع الحضور العسكري الروسي أن يحقق للدول الإفريقية أمناً مستداماً من دون أن تتحول الحرب على الإرهاب إلى كلفة جديدة يدفعها المدنيون؟
وبين رواية «الشراكة الأمنية» ورواية «النفوذ الجديد»، تبدو إفريقيا أمام اختبار يتجاوز التنافس الروسي ـ الغربي، ليصل إلى معيار أكثر حساسية: سيادة الدول، وفعالية مكافحة الإرهاب، وحماية المدنيين، ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول العمليات الأمنية إلى انتهاكات.
إعداد : مركز الصدى للدراسات والاعلام والتطوير




