إغلاق المدارس العشوائية في الأرياف.. إصلاح مطلوب لا ينبغي أن يخضع للنفوذ / احمد الدوه
استمعت إلى تصريح لوزيرة التهذيب تؤكد فيه، بكل وضوح، أن الوزارة لن تفتح مدارس في مناطق لا يوجد بها عدد كافٍ من التلاميذ، وأنها ستعمل على إغلاق المؤسسات التعليمية التي لا تستوفي الحد الأدنى من المعايير المطلوبة.
من حيث المبدأ، فإن مراجعة الخريطة المدرسية أصبحت ضرورة، خاصة بعد سنوات من التوسع غير المنظم في فتح المدارس والإعداديات والثانويات، بما أفضى في بعض الحالات إلى مؤسسات لا تشكل مدرسة متكاملة، وإلى توزيع غير متوازن للمدرسين والموارد البشرية، وهو ما انعكس على جودة التعليم وحسن تسيير القطاع.
إغلاق مدرسة ريفية لا تضم عدداً كافياً من التلاميذ، أو لا تتوفر فيها شروط المؤسسة التعليمية المتكاملة، قد يكون خطوة في الاتجاه الصحيح إذا كان الهدف هو تصحيح الاختلالات وترشيد الموارد، لكن لا ينبغي أن يكون الإغلاق نهاية المطاف بالنسبة لأطفال تلك المناطق.
فالطفل الريفي الذي تُغلق مدرسته لا يفقد حاجته إلى التعليم.
ولذلك يجب أن ترافق مراجعة الخريطة المدرسية بدائل تعليمية واضحة ومضمونة، من بينها النقل المدرسي المنتظم إلى أقرب مدرسة، وتجميع التلاميذ في مدارس مركزية مجهزة، وتوفير الداخليات أو السكن المدرسي للأطفال الذين تفصلهم مسافات كبيرة عن المؤسسات التعليمية، إضافة إلى الاستفادة من التعليم الرقمي والتعليم عن بُعد حيث تسمح الظروف بذلك.
كما يمكن اعتماد حلول مرنة في المناطق ذات الكثافة السكانية المتناثرة، بدل ترك الأطفال أمام خيارين: مدرسة غير مكتملة أو الانقطاع عن الدراسة.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تستطيع الوزارة تنفيذ هذه المراجعة بعيداً عن ضغوط النافذين السياسيين والاجتماعيين؟
فقد تتحول المدرسة الصغيرة في بعض القرى إلى مطلب للوجهاء والنافذين، لا بسبب حاجتها التعليمية الفعلية، وإنما باعتبارها عنواناً للنفوذ والمكانة الاجتماعية.
وإذا استثنيت بعض المناطق من قرار المراجعة بسبب قوة أصحابها، بينما أغلقت مدارس مناطق أخرى أقل نفوذاً، فإننا لن نكون أمام إصلاح للخريطة المدرسية، بل أمام إعادة إنتاج للاختلالات نفسها.
الإصلاح الحقيقي لا يعني إغلاق المدارس لمجرد الإغلاق، وإنما بناء خريطة مدرسية عادلة وواقعية، تقوم على عدد التلاميذ، وبعد المسافة، والحاجة الفعلية، وتوفر الكادر وجودة التعليم، مع ضمان بديل تعليمي حقيقي لكل طفل تُغلق مدرسته.
المطلوب إذن ليس فقط شجاعة في اتخاذ قرار الإغلاق، وإنما شجاعة أكبر في تطبيقه بعدالة، وضمان حق أطفال الأرياف في التعليم، حتى لا يصبح ضعف نفوذ القرية سبباً في حرمان أطفالها من المدرسة.




