الأخبارمقالات و تحليلات

الأكاديمي كريم فرمان  يفتح جعبته الدبلوماسية #للصدى  ويروي كيف حرّرت العقول العسكرية العراقية جزيرة «قمرية» بأقل التكاليف

الصورة د. كريم فرمان الاكاديمي العراقي البارز الدكتور فرمان مع رئيس جزر القمر الأسبق احمد عبدالله سامبي

في مقاله الجديد الخاص بصحيفة «الصدى»، يستعيد الأكاديمي العراقي البارز الدكتور كريم فرمان تجربة تحرير جزيرة «قمرية»، مسلطًا الضوء على الدور الذي أدّته العقول والخبرات العسكرية العراقية في إنجاز المهمة بأقل الخسائر البشرية والمادية.

وتكشف فرمان لأول مرة قصة استدعاءه من طرف صديقه الرئيس القمري الأسبق أحمد عبد الله سامبي  إلى القصر الجمهوري، ليشكو له سيطرة العقيد المتمرد محمد بكار على جزيرة ” أنجوان”، التي ينحدر منها الرئيس، وحرمانه من زيارة عائلته هناك، قبل أن يطلب مساعدته في الاستعانة بضباط عراقيين لوضع خطة لتحرير الجزيرة.

 

ويقدم الكاتب قراءة تجمع بين الشهادة والتحليل، للكشف عن أهمية التخطيط الاستراتيجي وتوظيف المعرفة العسكرية وحسن إدارة الإمكانات في تحقيق الأهداف، مبرزًا كيف يمكن للكفاءة الفكرية والخبرة المهنية أن تصنعا الفارق في المواقف المعقدة.

المصدر : الكاتب /

تتربع جزيرة “أنجوان” كواحدة من أجمل لآلئ أرخبيل جزر القمر الأربعة القابعة في قلب المحيط الهندي؛ هذا الأرخبيل الساحر الذي حبا الله طبيعته بغطاء نباتي فريد، يشكل المادة الخام والسر الدفين لأعرق عطور “شانيل” الباريسية. لكن هذا السحر والهدوء لم يدم طويلًا.

 

في عام 2007، شهدت الجزيرة منعطفًا دراماتيكيًا خطيرًا، عندما قاد ضابط قُمُري متمرد يدعى العقيد “محمد بكار” حركة انفصالية مدفوعة بتوجيهات ودعم من استخبارات دولة أوروبية كبرى. وبقوة السلاح وبرفقة ثمانين مقاتلًا، أحكم بكار قبضته على الجزيرة، وطرد منها جميع موظفي الحكومة الفيدرالية، معلنًا تمزيق وحدة البلاد.

 

بحكم عملي السابق رئيسًا لبرنامج التنمية العلمية والإنسانية في جزر القمر التابع لجامعة الدول العربية، جمعتني علاقة صداقة ومودة عميقة برئيس الجمهورية الأسبق، أحمد عبد الله سامبي؛ ذلك الرجل الذي كان يتحدث العربية بطلاقة آسرة، بفضل دراسته للشريعة واللغة في المملكة العربية السعودية.

 

وفي أحد الأيام، استدعاني الرئيس سامبي إلى القصر الجمهوري الذي لم يكن سوى فيلا قديمة من مخلفات الاستعمار الفرنسي، تحيط بها أشجار النخيل والمانجو ويحرسها بضعة جنود بأسلحة بسيطة.

 

بدا الرئيس مثقلًا بالهموم، وقال لي بنبرة امتزج فيها الحزن بالتحدي:

“يا صديقي، أنا في ورطة حقيقية. بلادي تتألف من أربع جزر؛ القمر الكبرى وفيها العاصمة موروني، وموهيلي، وأنجوان، ومايوت التي يحتلها الفرنسيون ولا طاقة لي بتحريرها الآن!!

 

أما “أنجوان” وهي مسقط رأسي ودار أهلي ،فقد اغتصبها ضابط مغامر ومتمرد، وحرمني حتى من زيارة عائلتي هناك.

أعلم تمامًا أن ضباط الجيش العراقي يمتلكون خبرة قتالية هائلة وخاضوا حروبًا شرسة؛ لذا أطلب مساعدتك في جلب بضعة ضباط وعشرين مقاتلًا لوضع خطة قتالية فعالة، ولبث الشجاعة في نفوس جنودنا الذين لم يشهدوا معركة قط في حياتهم ويهابون القتال، لا سيما وأن قوام جيشنا القُمُري بأكمله لا يتجاوز 560 فردًا!”

 

نزولًا عند رغبة الصديق الرئيس، بدأت على الفور اتصالات مكثفة استمرت لأسابيع مع أصدقاء من ضباط الجيش العراقي السابق المقيمين في دول جوار العراق، نجحت الجهود في تشكيل نواة قيادة عسكرية محترفة ضمت لواء ركن، وثلاثة عمداء، وعقيد مخابرات متمرس، إلى جانب نحو ثلاثة وعشرين مقاتلًا. وتم الترتيب لنقلهم وتسفيرهم إلى جزر القمر تحت غطاء مهني رسمي باعتبارهم “مدرسين معارين”.

 

فور وصولهم، عقد الضباط العراقيون اجتماعات مغلقة مع ضباط الركن القُمُريين. وبواسطة طائرة هليكوبتر، نفذوا استطلاعًا دقيقًا للجزيرة المتمردة. كانت الخطة الفيدرالية الأولية تميل نحو تنفيذ إنزال بحري عبر ثلاث سفن تجارية قرب الشاطئ ومهاجمة القوة المتمردة،

 

غير أن قراءة تكتيكية ذكية وبعيدة النظر من عقيد المخابرات العراقية السابق (م. الفلاحي) غيّرت مجرى الأحداث. قال الفلاحي: “هؤلاء المتمردون في نهاية المطاف مواطنون قُمُريون، فلماذا نغامر بمواجهة دموية مباشرة؟ الخيار الأفضل هو إنزال القوات بالطائرات المروحية عند أعلى الجبل المطل على الشاطئ، وتحقيق عنصر المفاجأة ليلًا بالهبوط نحوهم وسط إطلاق نار كثيف ومكثف. هذا التكتيك سيرعبهم ويجبرهم على الفرار عبر الزوارق إلى عرض البحر، وينتهي الأمر بأقل خسائر ممكنة”.

 

تبنت القيادة خطة الفلاحي بدقة. ومع حلول الظلام، هبطت القوة المشتركة التي ضمت المقاتلين العراقيين، وقوات من الاتحاد الأفريقي، ووحدات من الجيش القُمُري من قمة الجبل كالصاعقة. بدأت العملية بهجوم خاطف ونيران كثيفة، ولم تمضِ ساعتان حتى انفرط عقد المتمردين، وولوا دبرهم هاربين عبر البحر إلى جهة مجهولة.

 

هكذا، وبلمسة عسكرية عراقية احترافية، تحررت جزيرة أنجوان وعادت إلى حضن الوطن الأم بخسائر طفيفة للغاية لم تتعدَ خمسة جرحى فقط.

 

في الأيام التالية، أقام الرئيس سامبي حفل تكريم مهيب للقوة العراقية ضباطًا وأفرادًا، تقديراً لبطولتهم. وبعدها مباشرة، استقل الرئيس طائرته وحط في جزيرة أنجوان المحررة، ليلتقي بأهله وسط حفاوة بالغة ودموع الفرح من المواطنين.

 

هي قصة تختزل عبقرية التخطيط العسكري العربي، وتظل واحدة من أجمل وأغرب الحكايات في جعبة ذكرياتي الدبلوماسية والتنموية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى