التقارب الإيراني التركي السعودي الباكستاني. هل تنتصر وحدة المصالح أم تتكرر إخفاقات التحالفات؟ أحمد الدوه ”
الصدى/تحليل
في عالم تحكمه موازين القوة وحسابات المصالح، تعود فكرة التضامن الإسلامي إلى الواجهة كلما اشتعلت الحروب في منطقتنا، أو بدا أن القوى الكبرى تريد رسم مستقبل الشرق الأوسط بعيدًا عن إرادة شعوبه. وبين الآمال التي يعلقها كثيرون على وحدة الموقف الإسلامي، والوقائع التي تكشفها تجارب العقود الماضية، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن أن يتحول التقارب بين إيران وتركيا والسعودية وباكستان إلى تحالف أمني إسلامي قادر على حماية مصالح دول المنطقة، أم أن خلافات السياسة والجغرافيا والمصالح ستعيدنا إلى دائرة الشعارات والبيانات؟
لقد أعاد اللقاء الرباعي الذي احتضنته طهران يوم 26 أكتوبر 2026، بمشاركة مسؤولين إيرانيين وسعوديين وأتراك وباكستانيين، فتح هذا النقاش على نطاق أوسع.
فقد اتفقت الدول الأربع، وفق ما أُعلن عقب الاجتماع، على مواصلة المشاورات لتعزيز التعاون في القضايا الإقليمية، بما فيها السلام والأمن، مع بحث تطورات المنطقة والقضية الفلسطينية والأوضاع في لبنان.
وهو تطور يستحق المتابعة، لكنه لا يعني، في حد ذاته، أن تحالفًا عسكريًا جديدًا قد وُلد بالفعل.
أمة تملك عناصر القوة وتفتقد أحيانًا إرادة التنسيق
لا تنقص العالم الإسلامي مقومات بناء منظومة أمنية إقليمية مؤثرة.
فتركيا تمتلك قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متطورة، والسعودية تتمتع بثقل اقتصادي ومالي ومكانة محورية في الخليج والعالم الإسلامي، وباكستان تملك جيشًا كبيرًا وخبرة استراتيجية، بينما تتمتع إيران بموقع جغرافي مهم وقدرات عسكرية وشبكة واسعة من العلاقات والنفوذ الإقليمي.
لكن اجتماع هذه المقومات في إطار واحد لا يعني تلقائيًا نشوء قوة متماسكة.
فالدول لا تتحرك وفق روابط الدين والتاريخ وحدها، بل تحكمها أيضًا تقديراتها للأمن القومي، ومصالحها الاقتصادية، وعلاقاتها بالقوى الدولية، وحساباتها بشأن الخصوم والحلفاء.
وهنا تكمن المفارقة:
قد تتفق هذه الدول على ضرورة تجنب الحرب، لكنها تختلف بشأن أسبابها والمسؤولية عنها وسبل احتوائها.
وقد تتفق على دعم القضية الفلسطينية، لكنها لا تتبنى بالضرورة الأدوات السياسية والعسكرية نفسها لتحقيق هذا الهدف.
إن وحدة الموقف لا تُقاس بما يجمع الدول في لحظة الخطر فحسب، بل بقدرتها على إدارة خلافاتها عندما تتعارض المصالح.
لماذا أخفقت تحالفات سابقة في تحقيق تطلعات الشعوب؟
شهدت المنطقة العربية والإسلامية، على امتداد عقود، مبادرات كثيرة للتعاون والتكامل، من الاتفاقيات الدفاعية إلى المؤسسات الاقتصادية والسياسية المشتركة.
غير أن الفجوة ظلت واسعة في حالات عديدة بين الطموحات المعلنة والنتائج العملية.
فقد بقيت بعض الاتفاقيات رهينة ضعف آليات التنفيذ، فيما اصطدمت مبادرات أخرى بتنافس القيادات، واختلاف الأولويات، وتباين المواقف من الأزمات الإقليمية.
كما أن غياب المؤسسات القادرة على تسوية النزاعات بين الشركاء جعل بعض التفاهمات عرضة للتعطل كلما تغيرت الظروف السياسية.
ولعل الدرس الأبرز أن كثرة الاجتماعات لا تعني بالضرورة قوة التنسيق، وأن توقيع الاتفاقيات لا يكفي ما لم تقترن بالتزامات واضحة، وآليات متابعة، ومصالح مشتركة تجعل استمرار التعاون خيارًا عمليًا لكل طرف.
ولا يعني ذلك أن كل التجارب السابقة كانت بلا فائدة؛ فقد أسهم بعضها في احتواء أزمات أو فتح قنوات للحوار.
لكن المشكلة تكمن في أن كثيرًا من المبادرات لم تتحول إلى منظومات مستدامة قادرة على الصمود أمام الأزمات الحادة وتبدل موازين القوى.
هل يمكن أن يجتمع الخصوم تحت مظلة أمنية واحدة؟
إن أكثر ما يمنح التقارب الرباعي أهمية هو جمعه دولًا تختلف في علاقاتها الدولية وتصوراتها للأمن الإقليمي، وفي مقدمتها إيران والسعودية، إلى جانب تركيا وباكستان.
فالعلاقات بين طهران والرياض شهدت مسارات من التوتر والانفراج، ولكل منهما حساباته الأمنية والإقليمية.
كما أن تركيا ترتبط بعلاقات استراتيجية مع أطراف دولية متعددة، بينما تحافظ باكستان على شبكة علاقات تشمل دول الخليج وإيران وقوى دولية أخرى.
لهذا، فإن تأسيس تحالف عسكري ملزم، على غرار حلف شمال الأطلسي، يطرح أسئلة أكثر تعقيدًا من مجرد الاتفاق على التعاون.
هل تلتزم الدول الأربع بالدفاع عن أي عضو إذا تعرض لهجوم؟ وكيف ستتعامل مع نزاع ينشأ بين دولتين من أعضائها؟ وما موقفها إذا تعارضت التزاماتها الجديدة مع اتفاقياتها الأمنية القائمة؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل فنية، بل هي جوهر أي تحالف دفاعي حقيقي.
وقد يكون البدء بإطار للتشاور الأمني، وتبادل المعلومات، واحتواء الأزمات، والتنسيق الدبلوماسي، أكثر واقعية من القفز مباشرة إلى إعلان حلف عسكري شامل.
فالثقة لا تُفرض بالبيانات، وإنما تُبنى بالتجربة والالتزام المتبادل.
بين الحلم والواقع:
ما الذي يجعل التحالف ممكنًا؟
إن الحديث عن «ناتو إسلامي» يستمد جاذبيته من حاجة شعوب المنطقة إلى نظام أمني لا يجعل مصيرها مرهونًا بالكامل بقرارات القوى الخارجية.
غير أن استقلال القرار لا يتحقق بمجرد إعلان تحالف جديد، بل ببناء قدرة مشتركة على منع الحروب وتسوية النزاعات وحماية المصالح المتبادلة.
ولكي يخرج التقارب الرباعي من دائرة المبادرات الظرفية، فإنه يحتاج إلى خطوات عملية، من بينها:
أولًا :الاتفاق على مبادئ واضحة لعدم الاعتداء واحترام سيادة الدول وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية.
ثانيًا: إنشاء آلية دائمة للتشاور الأمني والسياسي، تعقد اجتماعات منتظمة ولا تنتظر اندلاع الأزمات حتى تتحرك.
ثالثًا :تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، لأن المصالح المتبادلة تمنح العلاقات السياسية أساسًا أكثر استقرارًا.
رابعًا :وضع قواعد واضحة للتعامل مع الأزمات الإقليمية، بما يمنع استخدام التحالف لتصفية الحسابات أو فرض إرادة دولة على أخرى.
خامسًا :توسيع الحوار مع بقية دول المنطقة، حتى لا تتحول أي منظومة أمنية جديدة إلى محور مغلق يعيد إنتاج الاستقطاب الذي يُفترض أن تتجاوزه.
إن نجاح أي مشروع من هذا النوع لن يكون مرهونًا بقوة جيوش الدول المشاركة وحدها، بل بقدرتها على بناء الثقة وتقديم ضمانات متبادلة واحترام اختلافاتها.
القضية الفلسطينية.. اختبار حقيقي لوحدة الموقف
لا يمكن تجاهل القضية الفلسطينية عند الحديث عن الأمن الجماعي في العالم الإسلامي.
فقد ظلت هذه القضية، لعقود، عنوانًا رئيسيًا للتضامن في الخطاب السياسي، لكنها كشفت أيضًا عن اتساع الفجوة بين المواقف المعلنة والقدرة على التنسيق الفعلي.
ومن شأن أي تقارب إقليمي أن يكتسب قيمة عملية إذا أسهم في توحيد الجهود الدبلوماسية، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني، وحماية المدنيين، وتعزيز فرص الوصول إلى تسوية عادلة، بعيدًا عن توظيف القضية في المنافسات الإقليمية.
لكن تحويل هذا التوافق إلى سياسة مشتركة يتطلب اتفاقًا على الوسائل والأولويات، وليس الاكتفاء بإعلان المواقف العامة.
الخلاصة: البداية في طهران، والحكم للنتائج
إن اللقاء الرباعي في طهران يمثل فرصة لاختبار إمكانية بناء تفاهم أمني إقليمي يضم قوى إسلامية وازنة. لكنه، حتى الآن، يظل خطوة في مسار التشاور، وليس دليلًا على قيام «ناتو إسلامي» بالمعنى العسكري والمؤسسي المتعارف عليه.
فالتاريخ يعلمنا أن التحالفات لا تنهار دائمًا بسبب نقص القوة، وإنما قد تتعثر بسبب غياب الثقة، وتضارب المصالح، وعدم الاستعداد لتحمل التزامات مشتركة عندما تصبح مكلفة.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الدول الأربع قادرة على إصدار بيان مشترك، بل ما إذا كانت تستطيع الاتفاق على قواعد أمنية تستمر حتى عندما تختلف حساباتها السياسية.
إن شعوب المنطقة لا تحتاج إلى تحالف جديد يضاف إلى أرشيف المؤتمرات والاتفاقيات، بقدر ما تحتاج إلى تعاون يحميها من الحروب، ويصون سيادة دولها، ويحد من التدخلات الخارجية، ويفتح آفاقًا للتنمية والاستقرار.
فهل يكون لقاء طهران بداية لتحول استراتيجي يعيد تعريف الأمن في المنطقة على أساس التعاون بين دولها.؟
أم محطة أخرى في سلسلة من المبادرات التي تكبر فيها الآمال عند الإعلان، ثم تتراجع أمام امتحان المصالح؟
الإجابة لن تحددها الشعارات، بل ما ستفعله هذه الدول بعد انفضاض الاجتماع.




