الأخبارمقالات و تحليلات

في الرمادي كتب السياب قصيدته السوق القديم/ بقلم ا.د كريم فرمان

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

في مدينتي الرمادي الحبيبة عاصمة محافظة الانبار غرب العراق تلك المدينة التي تغفوا على شاطيء نهر الفرات الخالد حيث اهلها الاجاويد ممن حجزوا لهم للكرم والشهامة مقعدا لا ينافس عليه احد عاش الشاعر الكبير بدر شاكر السياب حوالي سبعة شهور من عام 1948م مدرسا للغة الانجليزية في ثانوية الرمادي.
الرمادي المدينة العشائرية الزراعية والتي اسسها الوالي العثماني مدحت باشا يعود اسمها على الارجح إلى تل الرمادي والمدفون فيه شيخا صوفيا تعود جذوره الى تونس الخضراء وتحديدا مدينة الرمادة الواقعة على الحدود التونسية الليبية.
عندما كنت رئيسا لاتحاد الطلبة في محافظة الانبار اواخر عقد السبعينات من القرن المنصرم طلب مني الاستاذ شعلان مدرس اللغة العربية ان اكتب ورقة تشبه البحث البسيط عن فترة السياب في المدرسة التي درس فيها وادرس فيها انا ايضا ثانوية الرمادي وتمكنت بحكم علاقاتي ان اطلع على ملفته الشحصية في مديرية التربية ولكنها لم تحتوي على شيئا ملفتا سوى اوامر ادارية الا اني عرفت من بعض مجايليه بان كان معه ايضا استاذا اخر هو الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي مدرسا للغة العربية وكذلك المفكر العراقي حسن العلوي وكان من تلاميذ السياب انذاك فيلسوف العراق فيما بعد مدني صالح والناقد يوسف نمر ذياب واخرين كثر صار منهم فيما بعد الوزير وقادة الجيش.
سكن الشاعر بدر شاكر السياب في غرفة استاجرها في خان حميد الخانجي المعروف والخانات اماكن معدة للسكن والاستراحة للغرباء والقوافل التي تعبر باتجاه الشام.
لم يكتب السياب تفاصيل كثيرة عن تلك الفترة القصيرة ولكني عرفت من زميلته وصديقته التي احبها واراد الزواج منها الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة لكن حال بينهما اختلاف الدين والمذهب فقد كانت لميعة من طائفة الصابئة المندائية بينما السياب كان مسلما.
قالت لي لميعة الصديقة العزيزة ام مازن عند زيارتي لها في منفاها الاختياري في سان دييغو في امريكا بان بدرا قد تحدث لها عن ايامه في الرمادي واحب ناسها وكرمهم واحترامهم للغريب كثيرا مثلما تحدث لها عن فصيدة السوق القديم والتي كتبها عام 48 انه استلهم روح القصيدة من غمغمات الناس واصوات العابرين في السوق القديم وهو المسمى شعبيا في الرمادي السوق المسقف او سوق علي سليمان نسبة الى الشيخ علي سليمان امير قبيلة الدليم واستلهم في قصيدته تلك اجواء السوق وحركة الناس من حوله حيث كان يمضي وقت بعد العصر في احد مقاهي السوق،
لم تطل اقامة السياب في الرمادي طويلا إذ سافر خلال العطلة الربيعية الى البصرة مدينته وهناك قيل انه اعتقلته السلطة بسبب نشره قصائد بالضد من بريطانيا والحكم الملكي وربما انتماءه الى الحزب الشيوعي!!
وهنا اثبت مطلع قصيدته السوق القديم وقد كتب عنها الكثير من النقاد واعتبروها منجزا مهما من محطات مسيرته الشعرية.
(خفتَتْ به الأصوات إلا غمغماتِ العابرِين
وخُطى الغريب وما تبثُّ الريحُ من نغمٍ حزين
في ذلك الليل البهيم.
الليل، والسوق القديم، وغمغمات العابرين
والنور تعصره المصابيح الحزَانَى في شُحوب
— مثل الضباب على الطريق —
من كلِّ حانوتٍ عتيق،
بين الوجوه).

المصدر : الكاتب 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى