الأخبارفضاء الرأي

من الزنزانة إلى المراجعة: رهان موريتانيا على تفكيك التطرف بالحوار/ احمد محمد حماده

احمدمحمد حماده /كاتب ومحلل سياسي

في لحظة إقليمية مشحونة بتعقيدات الأمن والهشاشة الفكرية، تعود موريتانيا لتطرح مقاربتها الخاصة في معالجة أحد أكثر الملفات حساسية: ملف السجناء السلفيين. توصية لجنة العلماء، المكلفة بالحوار معهم، بإطلاق سراح من أعلنوا توبتهم، لا تبدو مجرد إجراء إداري أو استجابة ظرفية، بل تعكس خيارًا استراتيجيًا يتجاوز منطق الردع إلى أفق أعمق قوامه المعالجة الفكرية وإعادة الإدماج.

اللافت في خلاصات اللجنة ليس فقط إعلان التوبة، بل التأكيد على أنها جاءت بعد مراجعات فكرية موثقة، مدعومة ببيانات مكتوبة وتسجيلات مرئية وشهادات متابعة أمنية ممتدة لسنوات. هذا التراكم، في ظاهره، يمنح القرار قدرًا من المصداقية، ويضعه في سياق تجربة موريتانية راكمت، منذ سنوات، رهانًا على الحوار كأداة لتفكيك خطاب الغلو بدل الاكتفاء بمواجهته أمنيًا.

وليس هذا التوجه وليد اللحظة، بل يندرج ضمن تجربة سابقة خاضتها موريتانيا منذ أكثر من عقد، حين اعتمدت الحوار مع عدد من السجناء السلفيين الذين أعلنوا مراجعاتهم الفكرية، قبل أن يتم الإفراج عن بعضهم وفق ترتيبات مدروسة. وقد أظهرت تلك التجربة، في مجملها، مؤشرات إيجابية من حيث انخفاض معدلات العود إلى التطرف، ونجاح عدد من المفرج عنهم في الاندماج داخل المجتمع، سواء عبر العمل أو الانخراط في الحياة الطبيعية بعيدًا عن دوائر التشدد. ورغم أن تلك المرحلة لم تكن خالية من التحفظات أو الجدل، فإنها أسست لثقة نسبية في جدوى المقاربة الحوارية، ومهّدت لما نشهده اليوم من توسيع لهذا الخيار وتحويله إلى ركيزة ضمن السياسة العامة في معالجة ظاهرة الغلو والتطرف.

غير أن جوهر المسألة يتجاوز سؤال “صدق التوبة” إلى سؤال أعمق: هل نحن أمام تحول حقيقي في فلسفة التعاطي مع التطرف؟ المؤشرات توحي بذلك. فالتوصية بإنشاء هيئة دائمة للحوار لا تعني فقط استمرارية هذا النهج، بل تشير إلى محاولة مؤسَسة الحوار وتحويله من مبادرة ظرفية إلى سياسة عمومية قائمة بذاتها، تشمل ليس فقط الغلو الديني، بل أيضًا أشكال الانحراف الفكري الأخرى، من تطرف لاديني إلى نزعات عنصرية وشرائحية.

هنا تحديدًا تتجلى ملامح ما يمكن تسميته بـ”النموذج الموريتاني”، الذي يسعى إلى التوازن بين مقتضيات الأمن وضرورات المعالجة الفكرية. نموذج يراهن على أن التطرف ليس مجرد سلوك إجرامي، بل نتيجة خلل في البناء الفكري، وأن تفكيكه يبدأ من العقل قبل الزنزانة. وهو رهان، في بيئة الساحل المضطربة، يمنح موريتانيا هامش تميز نادر في مقاربة ظاهرة طالما عولجت في محيطها بمنطق القوة وحدها.

لكن هذا الخيار، رغم وجاهته، لا يخلو من تحديات دقيقة. أولها اختبار الاندماج بعد الإفراج، إذ لا يكفي إعلان التوبة لضمان تحولها إلى سلوك مستقر داخل المجتمع. وثانيها إدارة الرأي العام، الذي قد ينقسم بين من يرى في القرار خطوة شجاعة نحو المصالحة، ومن يعتبره مجازفة غير محسوبة في ملف شديد الحساسية. أما التحدي الثالث، فهو بناء آليات متابعة ذكية، تحافظ على التوازن بين الرقابة اللازمة واحترام مسار الإدماج، دون الانزلاق إلى مقاربات قد تعيد إنتاج الإقصاء في شكل آخر.

كما أن نجاح هذه المقاربة لا ينفصل عن دور الدولة في مرافقة المفرج عنهم بعد خروجهم، عبر برامج إدماج فعلي في الحياة النشطة. فالتجارب السابقة أظهرت أن توفير فرص عمل، ودعم مشاريع صغيرة، وتأهيل مهني واجتماعي، يشكّل عنصرًا حاسمًا في تثبيت التحول الفكري وترجمته إلى سلوك مستقر. لذلك، لا يقتصر الرهان على لحظة الإفراج، بل يمتد إلى ما بعدها، حيث تصبح الدولة مطالبة ببناء مسارات إدماج متكاملة، تقلّص من احتمالات الانتكاس، وتمنح هؤلاء فرصة حقيقية للعودة كمواطنين فاعلين، بدل تركهم عرضة للهشاشة أو إعادة الاستقطاب.

في العمق، يبدو أن الدولة تراهن على أن الاستثمار في الإنسان، حتى بعد انحرافه، أقل كلفة من تركه أسيرًا لمسارات التطرف. وهو رهان سياسي وأخلاقي في آن، يعكس ثقة في قدرة المجتمع على استيعاب أبنائه، وفي قدرة الفكر على تصحيح ذاته إذا ما وُجد من يحاوره بجدية.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح موريتانيا في تثبيت هذا الخيار كنموذج مستدام، أم أن اختبار الواقع سيكشف حدود هذه المقاربة بين طموح الإصلاح وحسابات الأمن؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى