الأخبارغير مصنفمقالات و تحليلات

الزلزال الأخضر….. هل أصبحت باكستان بيضة القبان في صراع آمريكا و إيران؟ / كتب ا.د كريم فرمان

 

 

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

حصريا #للصدى  الأكاديمي العراقي البارز الدكتور كريم فرمان يسبر أغوار المشهد الدولي الراهن بشتى تجلياته وتشكلاته عبر مقال استشرافي خطير يلامس الواقع ويرصد والوقائع 

 

قبل الصعود المفاجيء للدور الباكستاني في المنطقة لم يكن احد من المحللين السياسيين ينظر إلى الباكستان اكثر من قوة نووية ساكنة لدولة اسلامية محملة باعباء اقتصادية انهكتها،  وكل حدود أمنها القومي هي توازن الرعب النووي مع جارتها اللدود الهند.

 

وفي واحدة من أشهر اللحظات دراماتيكية في تاريخ الأمم المتحدة وتحديدا في ديسمبر 1971 لم يكتف ذو الفقار علي بوتو رئيس وزراء الباكستان الراحل بالخطابة ، بل قام بتمزيق مسودة قرار مجلس الأمن احتجاجا على الموقف الدولي من الأزمة الباكستانية انذاك.

كانت لحظة غيرت التاريخ ، رسالة بوتو واضحة ان سيادة الباكستان ليس للمساومة وكانت الشرارة التي اطلقت البرنامج النووي الباكستاني عندما صرح بمقولته التاريخية الشهيرة أمام مجلس الأمن( سوف ناكل العشب و أوراق الشجر ونتذوق الجوع لكننا سنمتلك قنبلتنا النووية) معتبرا ان السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة لعدم تمزيق بلاده مجددا، وهو ما تحقق لاحقا وأصبح اليوم الركيزة الأساسية لدورها في أي حرب إقليمية قادمة وهذا الدور والميزة ،وهذا  ما دفع ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان اللبحث في اسلام آباد عن حليف نووي يسهم في توفير ضمانة استراتيجية للأمن القومي السعودي !!

و في وقت تشهد المنطقة سيولة سياسية في المواقف وتحولات دراماتيكية مع تصاعد المواجهة بين التحالف الامريكي الإسرائيلي من جهة وبين ايران من جهة ثانية وفي قلب هذا الإعصار تبرز باكستان ليس فقط كدولة جارة بل كقوة نووية قادرة على قلب موازين القوى.

لماذا اختار الرئيس ترامب باكستان لهذا الدور المثير في اطفاء نار الحرب الحالية وليس تركيا مثلا التي تتمتع بعلاقة طيبة مع ترامب وزيادة  إلى ايران كذلك او مثلا الهند الدولة النووية الجارة والتي لها نفس المستوى من العلاقة مع كلا الطرفين ؟

ربما كان تجاوز ترامب تركيا بسبب طموحات اردوغان او فيتو اسرائيلي وأما الهند فلان سرعة تحركها السياسي بطيئة ومقيدة بنظام سياسي تتوزع فيه الصلاحيات بينما الباكستان الجارة لايران استطاع ترامب ان ينسج علاقة خاصة مع قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير خلال الأزمة الأخيرة بين باكستان والهند ثم ان ترامب يعرف ان السلطة الحقيقية في الباكستان تتركز بيد الجيش وهو ما اثار استغراب المراقبين كيف لرئيس دولة اجنبية يتخطى في اتصالاته رئيس الوزراء الموكل اليه ادارة البلاد أو حتى رئيس الجمهورية ولكن هذا هو اسلوب الرئيس ترامب الذي يجب التعايش معه.
ان نقاط قوة الجيبولتيك للباكستان تتمثل في العمق الاستراتيجي حيث تمتلك حدودا برية طويلة مع ايران مما يجعلها الممر الإجباري او حائط الصد لأي عمليات برية او لوجستية.
كما انها تمتاز بالقدرة على الردع النووي فهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاح نووي مما يمنحها هيبة عسكرية ويحسب لها حساب في اي صراع إقليمي.
وبفضل شراكتها مع الصين باتت الممر الاقتصادي(CPEC) فتحولت إلى شريان حيوي للتجارة مما يمنحها اوراق ضغط اقتصادية دولية.
ولكن باكستان تعاني ايضا من نقاط ضعف تتمثل في التبعية للمساعدات والاعتماد الكبير على القروض الدولية من صندوق النقد الدولي والمساعدات الامريكية وودائع مالية لدول اخرى مما يغل يد صانع القرار الباكستاني احيانا ناهيك عن الاستقطاب الداخلي والتوترات السياسية بين الحكومة والجيش بالاضافة الى التحديات الامنية على الحدود مع أفغانستان مما يستنزف كثير من طاقتها على لعب أدوار خارجية .
ان المشاهد الذي راى لقطة استقبال وزير الخارجية الايراني السيد عباس عراقجي واحتضانه الزائر الباكستاني الجنرال عاصم بهذه الحميمية يسأل عن السر في ذلك الا ان تفسيرها ان نظام الحكم الايراني وجد نفسه وحيدا في هذه الحرب فلا ناصر له او معين بعد أن فقد صلاته مع دول الخليج العربي ودول اخرى فوجد في الوسيط الباكستاني المخلص والمنقذ له من الكارثة والدمار الذي حل به ورغم المهارة الايرانية في شراء الوقت واتقان المماطلة في التفاوض الا انه وجد نفسه مع اقتراب صافرة انتهاء الشوط عليه ان يعود الى براغماتيته التي كتبت مقالا عنها في هذه الصحيفة الغراء وقلت فيها ان النظام لن يسقط وانه سوف يقدم بقاء الحكم على كل الشعارات الايدلوجية السابقة وان امريكا رغم تصريحاتها مع إسرائيل لا تريد فعلا اسقاط النظام الايراني بل تريده باجنحة مقصوصة كي يبق بعبع المنطقة ومصدرا للتهديد والابتزاز وشراء الاسلحة وسباق التسلح.
نحن بعد أن شارفت طبخة ترامب على النضوج تبين للمحلل السياسي ان هذه الحرب الطاحنة والتي اعتبرها اقل من حرب عالمية قصيرة واكبر من حرب اقليمية قياسا إلى عدد وحجم الفاعلين فيها والاسلحة التي استعملت اضافة الى مشاركين اخرين غير ظاهرين مثل الصين وروسيا ومهما سيقال عنها الا انها كشفت لدول المنطقة من هم الحلفاء الحقيقيون وقت الشدائد وليس عبارات منمقة عن الامن القومي العربي كمفهوم وان اول المفقودين ستكون المنظومة الاقليمية المسماة جامعة الدول العربية والتي اثبتت احتضارها وتنتظر فقط من يتحمل كلفة نشر اعلان وفاتها في الصحف.!!
نحن امام مشهد جديد في المنطقة فلا شرق أوسط جديد قد تشكل بعد ولا منظوماتنا الاقليمية تعمل بكفاءة لذا سيكون على صانع القرار السياسي في دول المنطقة ان يطبق عبارة قل لي من هو حليفك اقول لك من انت ،فقد ولت مع هذه الحرب فترة زمنية من عمر المنطقة وابتدات فترة جديدة سوف تحسب الدول مصالحها بدقة شديدة بعيدا عن العواطف والكلمات المنعشة فقد بلغت المخاطر فيها الحناجر حدا كاد يهدد كل مكاسب ومنجزات دول الخليج ودول اخرى لولا أن هذه الدول قد استعدت باكرا باسلحة ومنظومات دفاعية متطورة بحجم الحدث.
صحيح أن مضيق هرمز سيفتح وان الحرب توقفت وربما الصفقة الأمريكية الايرانية اوشكت على التبلور وان عهد ترامب لن يطول ومن المؤكد ان القادم إلى البيت الابيض بعد سنتين سيكون مختلفا جدا عن نهج ترامب وصفقاته بل وتقلباته لكن على السياسي الحاذق التحسب للقادم باسوء الاحتمالات فايران الدولة نمر جريح سوف يتداوى يوما ما ويعود لممارسة لعبته المفضلة في السعي الى الهيمنة واختراق مناطق الجوار وتبق جذور المشكلة مع ايران كما وصفها الأكاديمي والسياسي د. أنور قرقاش المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بانه من دون معالجة جذور الحرب والازمة سوف تبق نفس المشكلات والتحديات.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى