زيادة أسعار المحروقات: حين تختلط أدوار الدولة بين الحماية والتجارة/احمدولد الدوه

محرر في صحيفة الصدى الموريتانية
لم تعد قرارات زيادة أسعار المحروقات مجرد إجراء اقتصادي تقني، بل أصبحت قضية سياسية واجتماعية تمسّ صميم العلاقة بين الدولة والمواطن.
فحين تُقرّ الحكومة زيادات متتالية في أسعار الوقود، دون تبرير شفاف أو إجراءات مرافقة لحماية الفئات الهشة، يتولد انطباع متنامٍ بأن الدولة لم تعد حكمًا بين الفاعلين الاقتصاديين، بل تحوّلت إلى طرف داخل السوق، يمارس دور “التاجر” أكثر من دور “المنظّم”.
في الأصل، تقوم وظيفة الحكومة على تحقيق التوازن:
ضبط السوق، حماية القدرة الشرائية، وضمان العدالة الاجتماعية.
غير أن رفع أسعار المحروقات – وهي سلعة استراتيجية تؤثر على النقل والغذاء وكلفة المعيشة عمومًا – ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود.
فكل زيادة في الوقود تعني سلسلة زيادات غير مباشرة تطال مختلف القطاعات، ما يخلق موجة تضخم تثقل كاهل الأسر.
الخطورة لا تكمن فقط في الزيادة ذاتها، بل في السياق الذي تأتي فيه. فإذا غابت الشفافية حول أسباب القرار، ولم تُقدَّم بدائل أو تعويضات، يصبح المواطن أمام معادلة قاسية:
يدفع أكثر دون أن يفهم لماذا، ودون أن يرى أثرًا إيجابيًا على الخدمات أو البنية التحتية.
وهنا يتعزز الشعور بأن الحكومة تتعامل بمنطق الجباية لا بمنطق الرعاية.
في المقابل، تدافع الحكومات عادة عن هذه القرارات بحجج متعددة، مثل تقلبات السوق العالمية، أو ارتفاع كلفة الاستيراد، أو الحاجة إلى تقليص دعم يثقل الميزانية العامة.
وهذه اعتبارات واقعية لا يمكن تجاهلها، لكن الإشكال يكمن في كيفية إدارة هذه الضغوط:
هل يتم تحميلها بالكامل للمواطن؟ أم يتم توزيعها بشكل عادل عبر سياسات اجتماعية مرافقة؟
إن الدولة التي ترفع الأسعار دون أن تفعّل آليات الحماية الاجتماعية، أو دون أن تحارب الاحتكار والفساد داخل السوق، تضع نفسها في موقع الشبهة:
هل هي حكم عادل، أم منافس يستفيد من نفس القواعد التي يفرضها على الآخرين؟
الحل لا يكمن في رفض الزيادات بشكل مطلق، بل في إعادة تعريف دور الحكومة:
الشفافية في تسعير المحروقات وشرح مكوناته.
حماية الفئات الضعيفة عبر دعم موجه أو تعويضات مباشرة.
مراقبة السوق لمنع المضاربة والاحتكار.
ربط أي زيادة بتحسين ملموس في الخدمات العامة.
اخيرا:
حين يشعر المواطن أن الدولة تقف إلى جانبه في الأزمات، يتفهم القرارات الصعبة، حتى وإن كانت مؤلمة.
أما حين تبدو الدولة وكأنها “تاجر” يبحث عن مداخيله، فإن الثقة تتآكل، ويتحول القرار الاقتصادي إلى أزمة سياسية واجتماعية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل الحكومة خادمة للمصلحة العامة، أم لاعب داخل السوق؟




