رسالة مفتوحة من زعيم معهد #ممدراس : ترحيب ودعوة إلى التمعن وإعادة التفكير في التسميات ، لتعزيز الديمقراطية والوحدة الوطنية.

محمد ولد محمد الحسن
وطني موريتاني (نعم، هذا التعريف موجود)
خريج جامعة باريس التاسعة دوفين
خبير محاسبي موريتاني
أستاذ جامعي
الرئيس المؤسس لمعهد مددراس2Ires
في 29 أبريل 2026
أعزائي المواطنين ،
أوجه اليوم خطابي هذا إلى كل من يعود إلى أرض الوطن ، بعد منفى اختياري أو قسري . أودّ أن أوجّه – قبل كل شيء – جملة بسيطة وصادقة : مرحبًا بكم في … وطنكم .
ليس المنفى أبدًا مرحلة عابرة عادية في حياة الإنسان ، بل هو محنة عميقة يعيشها ، تترك أثرها في الروح والقلب والعقل :
• في الروح أولًا ، لأنها تُقتلع من جذورها ، تُحرم من معالمها وتقاليدها ومن تلك الألفة الخفية التي تمنح الوجود معناه .
• وفي القلب ثانيًا ، لأنه يظلّ متعلّقًا بالأرض الأم التي انبتته ، بالعائلة التي ربته ، بالوجوه المألوفة ، وبذلك الدفء الإنساني الذي لا يعوّضه شيء .
• وفي العقل أخيرًا ، لأنه يضطر – باستمرار – إلى التكيّف والفهم والترجمة ، بل والبقاء ، في بيئة غالبًا ما تكون غريبة ، وأحيانًا غير مبالية ؛ بل وقد تكون ، في بعض الأحيان معادية .
فبينما يكون الوطن الأصلي أرض تضامن ودفء إنساني وشمس مشرقة ؛ ويكون بلد الاستقبال موسومًا بالبرودة وقلّة الانارة ، وأحيانًا بنظرات الشك أو مواقف الرفض ؛ آنذاك يتحوّل المنفى إلى معاناة شاملة . معاناة صامتة ، غالبًا غير مرئية ، لكنها متجذّرة في أعماق الكيان .
ومع ذلك ، هناك لحظة تُصلح – ولو جزئيًا – هذه الجراح . إنها لحظة العودة :
* العودة إلى الديار ، حيث تستعاد الأرض والروائح والأصوات والنظرات ؛ ويُستشعر من جديد ، ذلك الانتماء الذي لا يُمحى . إنها لحظة فرح كبير وارتياح عميق ، بل تكاد تكون … ولادة جديدة .
يسعدني من هذا المنطلق ، أن أرحّب بإخوتنا المواطنين العائدين حديثًا . ووفاءً لتقاليدنا في مجال الضيافة ، وتلك العظمة المتجسدة في الانسان الموريتاني – سيّد الصحراء – يحدوني أن أُخلّد هذه العودة بمبادرة رمزية قوية : تقديم ثور وعدد من الأبقار (كما فعلت سنة 2007 ) لفائدة أول العائدين من السنغال عند الكيلومتر 7 من روصو ، وفي ثانوية المدينة خلال عهد الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله .
وإذ عشتُ أنا أيضًا شكلًا من أشكال المنفى الداخلي -بعيدًا عن نواكشوط- متنقّلًا بين مناطق الوطن ، فإنني أدرك -بطريقتي – معنى الابتعاد عن الجذور .
وعليه ، أكون شاكرًا لمن يدلّني على أنسب مكان للقيام بهذه اللفتة الكريمة ، وربط الثور والجمل المخصّصين لمراسيم الاحتفال هناك ، أملًا في تجديد العهد ، وانطلاقا جديدا ، بل وربما ميلاد رمزي جديد .
غير أنني بصفتي مسلمًا ، يقتضي منه الواجب ، نصح أخيه ( عملًا بالحكمة العربية : نصف عقلك عند أخيك ) ، أتقدّم كذلك بكلمة نصح صادقة وأخوية .
حضرات السيدات والسادة.،
أعزائي المواطنين ،
إن الأسماء التي نحملها ، والكلمات التي نختارها ، والاختصارات التي نعتمدها ، لم تكن أبدًا حيادية . فهي تحمل دلالات ومعاني وتاريخًا وصورًا ذهنية . وكما تعلمون، في السياسة أكثر من غيرها ، تصبح هذه العناصر رموزًا تشكّل صورة الحركات ، وتؤثر في تلقّيها من قبل المجتمع ، وتساهم في بناء الثقة أو إضعافها .
فعندما يوحي اسم أو اختصار بالتوتر أو القطيعة أو الاشتعال ( ولو بشكل غير مباشر) فإنه قد يخلق لبسًا في أذهان الناس ، ويثير القلق ، ويغذّي سوء الفهم ، ويضعف أثر الخطاب السياسي .
ومن هذا المنطلق ، أتوجّه بخطابي ، خصوصا إلى حركة “فلام” . فهذا الاسم ، بقوته الرمزية ، يحيل إلى النور والحرارة ، لكنه يستحضر أيضًا – في الخيال الجماعي – صورة النار التي تلتهم وتدمّر . وفي سياق ديمقراطي ، حيث ينبغي للغة أن تكون عامل تهدئة وإلتآم ، فإن هذا اللبس يستحقّ ويتطلب التأمل . ولا يعني ذلك إطلاقًا موقفًا عدائيًا تجاه أيّ من أبناء الوطن ، بل هو دعوة للتفكير في مدى انسجام الرسالة مع الرموز المستعملة . فالديمقراطية الراسخة تُبنى بكلمات تُطمئن ، توحّد ، وتفتح آفاقًا للمستقبل .
وعليه ، أقترح -بروح المسؤولية والأخوة – أن تفكر مثل هذه الحركة في إمكانية تطوير تسميتها . إن تقديم اسم يحمل معاني الوحدة والعدل والأمل ، سيكون بادرة مستحبة ، تُسجّل تحوّلًا نوعيًا ، وتعزّز المصداقية ، وتُدرج العمل السياسي بوضوح ، في الإطار الجمهوري .
ايها السيدات والسادة ،
لنتبنى الترحيب ، والمصالحة ، والبناء . تلك هي الشعلة الحقيقية التي ينبغي أن نحافظ عليها : “نيران” تُضيء دون أن تحرق ؛ وتُدفئ دون أن تُدمّر ؛ وتهدي أمتنا نحو مزيد من ” الشرف – الاخوة – العدالة ” .
مرحبًا بكم ، مع خالص التمنيات بالتوفيق ، وحظًا سعيدًا .
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام .




