الأخبارمقالات و تحليلات

هندسة الدبلوماسية الواقعية .. تفكيك العقدة الجيوسياسية للصحراء المغربية / بقلم : ا.د كريم فرمان 

ملك المغرب محمد السادس

العمل دون ضجيج و الرشاقة الدبلوماسية (Diplomatic Agility): القدرة على التحرك المرن والسريع في بيئة دولية شديدة التعقيد، والاستثمار الأمثل للفرص الجيوسياسية لانتزاع مواقف دولية حاسمة وصياغة تحالفات جديدة.

المصدر : الكاتب ( مقال حصري للصدى) 

تشهد العلاقات الدولية المعاصرة تحولاً بنيوياً في أدوات إدارة النزاعات الإقليمية، حيث تراجعت الأساليب الكلاسيكية لفائدة “الدبلوماسية الوظيفية” القائمة على تكريس الأمر الواقع القانوني والتنموي. ويشكل تدبير المملكة المغربية لملف الصحراء نموذجاً مرجعياً في هذا الصدد إذ نجحت الرباط في نقل الملف من ركود المقاربات الأممية التقليدية إلى حركية الحسم السيادي عبر ما بات يُعرف بـ “دبلوماسية القنصليات”. وتعكس هذه الاستراتيجية عمق الرؤية الملكية لجلالة الملك محمد السادس، القائمة على الواقعية السياسية( Realpolitic) من جهة، والالتزام بأسس حسن الجوار والاستقرار الإقليمي من جهة أخرى، وهو ما جرى تنفيذه بأداء مؤسساتي اتسم بالرشاقة والهدوء الاستراتيجي.
نجحت دبلوماسية القنصليات نجاحا مثيرا في إعادة صياغة الواقع القانوني والجيوسياسي
ولا يمكن قراءة الدينامية المتسارعة لافتتاح البعثات الدبلوماسية والقنصلية في مدينتي العيون والداخلة بوصفها مجرد إجراءات بروتوكولية، بل هي “فعل سيادي” ذو أبعاد قانونية وجيوسياسية بالغة الأهمية:

* التكريس القانوني للسيادة إذ يحمل فتح قنصلية أجنبية في إقليم معين، وفقاً لاتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، اعترافاً صريحاً لا لبس فيه بسيادة الدولة المضيفة على ذلك الإقليم.
* العمق الاستراتيجي الإفريقي والدولي حيث تحولت الأقاليم الجنوبية إلى مركز جذب دبلوماسي يضم تمثيليات من مختلف القارات (إفريقيا، العالم العربي، أمريكا اللاتينية، وآسيا وامريكا واوربا ) يرسخ مكانة الصحراء كجسر اقتصادي بين أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء.

* تقويض الأطروحات الانفصالية، أسهم هذا الزخم في نقل المجتمع الدولي من مرحلة “إدارة النزاع” إلى مرحلة “الحسم النهائي”، مما جعل خيار الانفصال متجاوزاً من الناحية العملية والواقعية.

وهنا لا بد من الإشارة الى الرؤية الملكية القائمة على جدلية الواقعية السياسية وبناء السلم الإقليمي
حيث تتأسس العقيدة الدبلوماسية للملك محمد السادس على قراءة واقعية وبراغماتية لتحولات النظام الدولي، وتتجلى هذه الرؤية في محددين أساسيين:

* مشروع الحكم الذاتي كإطار أوحد للحل، ينطلق المقترح المغربي للحكم الذاتي من أرضية واقعية حظيت بمساندة كبرى القوى الدولية (كالعالم العربي، والولايات المتحدة، وإسبانيا، وفرنسا). ويقدم المشروع حلاً ديمقراطياً مستداماً يحفظ السيادة الوطنية ويمنح الساكنة المحلية تدبيراً ذاتياً واسعاً لشؤونها.

* عقيدة “اليد الممدودة” تجاه الجزائر: على الرغم من المكاسب الميدانية والدبلوماسية، حرصت الرؤية الملكية على إبقاء قنوات الود وباب الحوار مفتوحاً مع الجارة الجزائر.

* وتنبثق هذه المقاربة من وعي استراتيجي يدرك أن الاستقرار الإقليمي وتحقيق مشروع “المغرب العربي الكبير” لا يمكن أن يتأتى إلا عبر تجاوز الخلافات المصطنعة، وتغليب منطق الأخوة والشراكة الاقتصادية على منطق المواجهة والتجزئة.

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

وقد اتسم الأداء التنفيذي لوزير الخارجية المغربي السيد ناصر بوريطة بما يمكن أن اسميه “الدبلوماسية الرشيقة” والهدوء الإستراتيجي
اذ شكلت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، تحت قيادة الوزير ناصر بوريطة، الذراع التنفيذي الكفء للرؤية الملكية. وتميز هذا الأداء بأسلوب أثار انتباه صناع القرار والمحللين الدوليين:

* الرشاقة الدبلوماسية (Diplomatic Agility): القدرة على التحرك المرن والسريع في بيئة دولية شديدة التعقيد، والاستثمار الأمثل للفرص الجيوسياسية لانتزاع مواقف دولية حاسمة وصياغة تحالفات جديدة.

* العمل من دون ضجيج فقد تبني الوزير استراتيجية “الهدوء الفعال”، حيث يتم التركيز على النتائج الملموسة والاتفاقيات الثنائية المثمرة، بعيداً عن السجالات الإعلامية الجوفاء أو الدعاية السياسية الفجة.

* الرزانة وبناء الشراكات المتوازنة لأجل إدارة الأزمات الإقليمية والدولية بنوع من البرود السياسي والرزانة، مما مكن المغرب من فرض احترامه كشريك موثوق ومستقر في منطقة شمال إفريقي والمتوسط.

في المحصلة، يظهر التحليل الأكاديمي لمسار قضية الصحراء المغربية أن المملكة انتقلت من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة وصناعة القرار الإقليمي.

إن التلاؤم البنيوي بين الرؤية الملكية الواقعية ذات الأبعاد السلمية، والأداء الدبلوماسي الهادئ والرشيق، جعل من مشروع الحكم الذاتي أفقاً حتمياً وحيداً لإنهاء هذا النزاع المفتعل، بما يضمن صون مغربية الصحراء وفتح آفاق التنمية المستدامة لمنطقة شمال إفريقيا .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى