الأخبارفضاء الرأي

البئر التي لا يراها أحد / بقلم : المهندس أحمد ولد اعمر

المهندس احمد ولد اعمر

حين يُدفن أربعة شباب تحت الرمال، لا يُدفن معهم التراب وحده، بل تُدفن أحلام أمهات، وآمال آباء، ومستقبل أسر كاملة كانت ترى فيهم آخر خيط من خيوط النجاة.

ولم يكن أولئك الشباب يبحثون عن الذهب ولا عن المغامرة، بل كانوا يبحثون عن فرصة صغيرة للحياة، وعن حبل يخرجون به ذويهم من بئر الحاجة التي سبقت البئر التي ابتلعتهم.
فالمأساة الحقيقية ليست في الحفرة التي انهارت عليهم، بل في بئر أخرى لا يراها أحد. بئر من الظروف القاسية، وضيق الفرص، وتراكم المسؤوليات، حتى يصبح الخطر أقل رعباً من العجز، والمغامرة أقل قسوة من الحاجة.
لهذا ينزل بعض الشباب إلى أعماق الأرض، لا حباً في المخاطر، بل لأن الحياة أقنعتهم بأن الخطر أصبح وظيفة، وأن النجاة أصبحت مشروعاً مؤجلاً.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، تسير الحياة على إيقاع مختلف. أضواء براقة، وقاعات فاخرة، ومظاهر ثراء فاحش، ومركبات تكفي قيمة بعضها لخلق فرص عمل لعشرات الشباب الذين يتنفسون الغبار والرمال بحثاً عن لقمة عيش كريمة.
هنا لا يصبح السؤال: من يملك ومن لا يملك؟
بل كيف توزعت الفرص حتى صار بعض الناس يبحثون عن الحياة في جوف الأرض، بينما يجدها آخرون مهيأة فوقها؟
إن المشكلة ليست في وجود الغنى، فالغنى ثمرة مشروعة للكفاءة والعمل. لكن المأساة تبدأ حين يتحول الفارق بين القاع والقمة إلى هوة لا يجد أبناء القاع سلماً واحداً لعبورها.
ولعل أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال، بل فقر الأمل. فحين يفقد الإنسان يقينه بأن العمل الشريف قادر على صناعة مستقبل كريم، يصبح اليأس أقوى من الحاجة نفسها.
كم شاباً ابتلعته الرمال قبل أن نلتفت إلى سبب نزوله إليها؟
وكم أسرة مات حلمها بصمت قبل أن تُذكر في تقرير أو إحصائية؟
رحم الله من رحلوا وهم يطاردون رزقاً ظنوه حبل نجاة، فإذا به يتحول إلى كفن من الرمال.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يُدفن معهم:
هل المشكلة في عمق الآبار التي سقطوا فيها… أم في عمق الظروف التي هربوا منها ؟
المصدر : الكاتب  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى