الأخبارمقالات و تحليلات

الفراغ الإعلامي في ليبيا: أزمة وعي جماعي / صلاح الهوني

غياب الدولة لم يترك مؤسساتها بلا سلطة بل ترك المجتمع بلا بوصلة والإعلام بلا مسؤولية والناس بلا مرجع يميز بين الحقيقة والكذب

صلاح الهوني / إعلامي ليبي

ليبيا لا تعاني فقط من فراغ سياسي، بل تعاني من فراغ أخطر وأعمق؛ فراغ إعلامي يضرب في صميم الوعي الجمعي. فغياب الدولة لم يترك مؤسساتها بلا سلطة، بل ترك المجتمع بلا بوصلة، والإعلام بلا مسؤولية، والناس بلا مرجع يميز بين الحقيقة والكذب. في بلد تتنازع فيه الميليشيات وتتصارع فيه السلطات، أصبح الإعلام ساحة مفتوحة للفوضى، لا قوانين تضبطه ولا أخلاقيات تحكمه، فامتلأ الفراغ سريعًا بالأكاذيب والشائعات وخطاب الكراهية، حتى صار المجتمع الليبي أشبه بسفينة بلا دفة في بحر من التضليل.

الفراغ السياسي معروف للجميع. سلطات متناحرة، ميليشيات متصارعة، مؤسسات شبه مشلولة، وشرعية متنازع عليها. لكن ما لا يُدركه كثيرون هو أن هذا الفراغ السياسي سرعان ما تسلل إلى الإعلام، فحوّله إلى أداة بيد القوى المتصارعة، الداخلية والخارجية، لتكريس الانقسام وتغذية الشكوك. لم يعد هناك صوت رسمي موثوق، ولا إعلام وطني قادر على فرض رواية مبنية على الحقائق، ولا جهاز رقابة يحول دون تحول المنابر إلى منصات تحريض. وهكذا، صار الفراغ السياسي قوة فاعلة بالنيابة، تنتج وعيًا هشًا ومشوّهًا، يتغذى على الأوهام ويستسهل الكذب.

الفراغ الإعلامي أخطر لأنه يصيب المجتمع في قدرته على التمييز. الإعلام التقليدي انهار، ومنصات التواصل الاجتماعي صارت المصدر الأول والأخير للمعلومة. هناك، لا يُختبر الخبر بمصداقيته، بل بعدد مشاركاته وتفاعلاته. الخوارزميات هي التي ترسم الخريطة الذهنية للمواطن، لا الصحافة المهنية ولا أخلاقيات النقل. في هذا الفضاء، تزدهر الشائعات وتنتشر الأخبار المضللة بسرعة الضوء، ويجد الفرد نفسه غارقًا في بحر من المعلومات المتناقضة، كل منها يدّعي أنه الحقيقة المطلقة.

لكن الأسوأ من ذلك كله هو تحول هذه المعلومات المضللة إلى “أداة ممنهجة للتحريض وخطاب الكراهية”. ففي ليبيا اليوم، لم تعد المنصات الإعلامية مجرد ساحة لتبادل الآراء، بل تحولت إلى ساحات حرب نفسية، يُختطف فيها العقل الجمعي ويُجرّ إلى مواجهات لا تنتهي. يتم استهداف أفراد ومجموعات وقبائل ومناطق بأكملها بحملات تشويه منظمة، تُبنى على أنصاف حقائق وأكاذيب كبيرة، وتُبث عبر حسابات مجهولة أو شبه مجهولة لا تخضع لأي مساءلة. ومن المقلق أن خطاب الكراهية هذا لم يعد خطاباً هامشياً، بل أصبح في كثير من الأحيان الخطاب المهيمن، لأنه الأكثر إثارة والأسرع انتشاراً والأقدر على استنهاض الغرائز وتعبئة الأنصار. والنتيجة أن السلم الأهلي، ذلك المورد الهش في أي مجتمع يعيش أزمة سياسية، أصبح رهيناً لمانشيت عابر أو مقطع فيديو مفبرك أو خبر كاذب يعاد نشره آلاف المرات. والوحدة الوطنية، التي هي أصلاً مجروحة، تتعرض يومياً لطعنات جديدة من هذا الخطاب المقسم الذي يزرع الشك والعداوة بين الليبيين أنفسهم.

على الليبيين أن يقرروا أي ليبيا يريدون: ليبيا الوعي أم ليبيا الفوضى؟ ليبيا الجامعة أم ليبيا الممزقة؟ ليبيا السلام أم ليبيا الخطاب المسلح؟

الحرب في ليبيا لم تندلع فقط بالدبابات والطائرات، بل اندلعت قبل ذلك في العقول، عبر الشاشات الصغيرة والهواتف المحمولة والقنوات المشبوهة. وكلما طال أمد الفراغ الإعلامي، تعمقت الهوة بين المكونات الاجتماعية، وتآكلت الثقة بين المواطن وأي كيان يحمل صفة “دولة”. الفراغ الإعلامي لا يخلق مجرد جهل، بل يخلق وعيًا مرضيًا، سريع الغضب بطيء التصالح، يحول كل خلاف سياسي إلى عداء وجودي، وكل تنافس على سلطة إلى قطيعة دامية.

المعالجة لا تكون إلا باستحضار المسؤولية المشتركة. السلطات الوطنية، الإعلاميون، قادة الرأي، المجتمع المدني، والجمهور نفسه، جميعهم معنيون بمواجهة التضليل وخطاب الكراهية. الأمر يحتاج إلى مدونة سلوك إعلامي، وحملات توعية واسعة، ودعم مبادرات مستقلة لتدقيق المعلومات. فهذه المبادرات، رغم ضعف إمكانياتها، هي خط الدفاع الأول عن الحقيقة في فضاء إعلامي مفكك ومحتدم.

لكن المشكلة أعمق من مجرد أدوات تقنية أو مبادرات محلية. إنها أزمة ثقافة سياسية وإعلامية في آن واحد. فالمجتمع الذي اعتاد أن يعيش بلا دولة، اعتاد أيضاً أن يعيش بلا إعلام مسؤول. المواطن الذي لا يثق في مؤسساته، لا يثق في إعلامه، فيبحث عن الحقيقة في أماكن أخرى، وغالباً ما يجدها مشوهة أو مفبركة. وهنا تتضاعف الأزمة: أزمة ثقة مزمنة، وأزمة وعي مشوش، وأزمة خطاب عام يفتقر إلى أي معيار من معايير المسؤولية.

الأثر الاجتماعي لهذه الأزمة لا يقتصر على الانتخابات أو العملية السياسية، بل يهدد النسيج الاجتماعي برمته. إنه يعيد تشكيل الوعي الليبي بأبشع صورة، ويحوّله إلى وعاء قابل للاستقطاب في أي لحظة. والأخطر أنه يضعف الثقة بين المواطنين والدولة بشكل مزمن. كيف تطلب من مواطن قضى سنوات يتلقى أكاذيب عن دولته أن يثق بها فجأة؟ وكيف تبني سلطة وطنية شرعية في مجتمع اعتاد ألا يصدق أحدًا؟

خلاصة القول، إن ليبيا اليوم في حاجة إلى إعادة بناء الإعلام قبل إعادة بناء المؤسسات، فهما وجهان لعملة واحدة لا ينفصلان. الدولة لا تُبنى فقط بالقوانين والموازنات والجيوش، بل تُبنى بالكلمة المسؤولة، والصورة النزيهة، والخبر الصادق، والحوار المحترم. وفي غياب هذه العناصر، ستظل ليبيا غارقة في فوضى الوعي، وأي سلام يُوقع على الورق سيبقى هشاً مهدداً بالانهيار، ما لم يُوقع عليه أولاً في عقول الليبيين. إن المواجهة الحقيقية اليوم ليست على الأرض وحدها، بل على جبهة أخرى أشد فتكاً وأكثر خفاءً: جبهة الحقيقة من جهة، وجبهة التضليل والكراهية من جهة أخرى. وعلى الليبيين، قبل أي طرف خارجي، أن يقرروا أي الجبهتين سينتصرون فيها، وأي ليبيا يريدون لأبنائهم: ليبيا الوعي أم ليبيا الفوضى؟ ليبيا الجامعة أم ليبيا الممزقة؟ ليبيا السلام أم ليبيا الخطاب المسلح؟

فهل يدرك الجميع، محلياً وإقليمياً ودولياً، أن الفراغ الإعلامي في ليبيا ليس قضية هامشية، بل هو المعركة الحقيقية التي ستحدد شكل ليبيا لعقود قادمة؟

 

المصدر 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى