مدرسة الدكتوراه بجامعة لعيون تستضيف خبيرا دوليا لانعاش دورة متخصصة في المنهجية العلمية
حين تَتحوَّلُ المنهجيةُ إلى بوصلة: مدرسةُ الدكتوراه بالعيون تُؤسِّسُ لثقافةِ السؤالِ البحثيِّ الأص
في مشهدٍ أكاديميٍّ يَستحقُّ التوقُّفَ عنده، احتضنت مدرسةُ الدكتوراه بجامعةِ العلومِ الإسلاميةِ بالعيون اليوم دورةً علميةً متخصِّصةً حول «منهجيةِ البحثِ العلمي والفجوةِ المعرفية»، أطَّرها الأستاذُ الدكتور رشيد المدور، الأستاذُ المحاضِرُ المؤهَّل بجامعةِ الحسنِ الثاني بالدارِ البيضاء. لم تكن الدورةُ مجرَّدَ لقاءٍ تدريبيٍّ عابر، بل كانت محطةَ تأسيسٍ معرفية، تَستهدفُ نَقلَ الباحثِ من مقامِ الجامعِ للمادةِ إلى مقامِ المُنتِجِ للسؤالِ العلميِّ الأصيل.
كلمةُ مديرِ المدرسة: حين يَتحدَّثُ المنهجُ بلسانِ الرؤية
في الجلسةِ الافتتاحية، تَقدَّمَ مديرُ مدرسةِ الدكتوراه، الأستاذُ الدكتور الشيخ أحمد نافع، بكلمةٍ ضَبطت إيقاعَ الدورة وحدَّدت أُفقَها. أوضَحَ أنَّ الأطروحةَ الدكتوراهيةَ الجادَّةَ لا تُقاسُ بِكَمِّ صفحاتها ولا بِسَعةِ هوامشها، بل بـموقعِها من خريطةِ المعرفةِ القائمة، وبقُدرتِها على الإجابةِ عن سؤالٍ لم يُجَب عنه، أو على إعادةِ صياغةِ سؤالٍ قديمٍ بأدواتٍ جديدة.

وأشار البروفسور الشيخ أحمد نافع إلى أنَّ كثيراً من الأطروحاتِ تَسقطُ في فَخِّ الوصفِ والتكرار، لأنَّها لم تَعبُر العتبةَ المنهجيةَ الأولى: عتبةَ تحديدِ الفجوةِ المعرفية. ومن هنا — كما أكَّد — جاءت هذه الدورةُ بوصفِها استثماراً مؤسَّسياً مباشراً في جودةِ الإنتاجِ العلميِّ للمدرسة، وفي ترسيخِ ثقافةٍ بحثيةٍ تَجعلُ من السؤالِ الدقيقِ نقطةَ انطلاقٍ، ومن المنهجِ الصارمِ ضماناً للأصالة، ومن النشرِ المحكَّمِ أُفُقاً طبيعياً لكلِّ باحثٍ من المدرسة.
حين يَتحدَّثُ الخبيرُ من داخلِ التجربة
تَناوَلَ الأستاذُ الدكتور رشيد المدور محاورَ الدورةِ بحِسٍّ أكاديميٍّ مرهفٍ، مُستثمراً تخصُّصَه الدقيقَ في ثلاثةِ مَيادينَ تُشكِّلُ — مجتمعةً — الهيكلَ العظميَّ لأيِّ مشروعٍ بحثيٍّ ناضج:
في هندسةِ المنهج:قدَّم رؤيةً مُحكَمةً لبناءِ الإشكاليةِ البحثية، وضبطِ المُتغيِّرات، وصياغةِ الفرضيات، مُؤكِّداً أنَّ المنهجَ ليس قالباً جاهزاً يُسقَطُ على الموضوع، بل بناءٌ يَتشكَّلُ من رحمِ السؤالِ ذاتِه.
في اقتناصِ الفجوةِ المعرفية: خَصَّ هذا المحورَ بتأطيرٍ مُعمَّق، شارحاً كيف يَنتقلُ الباحثُ من القراءةِ الاستطلاعيةِ إلى رسمِ خريطةِ الأدبياتِ، ومن ثَمَّ إلى تحديدِ المنطقةِ غيرِ المطروقةِ التي تُشكِّلُ موقعَ إسهامِه العلمي.

في معاييرِ النشرِ الدوليِّ المحكَّم:نَقَلَ خبرتَه المباشرةَ بوصفِه عضواً في هيئاتِ تحكيمٍ علميةٍ عربيةٍ ودولية، من بينها مركزُ الجزيرةِ للدراسات والمركزُ الديمقراطيُّ العربي، إلى جانبِ ترؤُّسِه تحريرَ مجلةِ «دفاترَ برلمانية»؛ مُسلِّطاً الضوءَ على معاييرِ القَبولِ والرَّفض، وأسبابِ السقوطِ المبكِّرِ لكثيرٍ من الأبحاثِ المُقدَّمةِ للمجلَّاتِ ذاتِ التأثير.
وقد أَفاد الباحثون من رصيدِه الذي يَتجاوزُ اثنين وتسعين عملاً علمياً منشوراً، ومن ترؤُّسِه فريقَ البحثِ في القضاءِ الدستوري؛ بما جَعَلَ الدورةَ حواراً معرفياً حياً
لا طتلقيناً نظرياً مُغلَقاً.
وغادرَ الباحثون قاعةَ الدورةِ وقد تَبدَّلت لديهم زاويةُ النظرِ إلى مشاريعِهم؛ لم يَعُد السؤالُ: «ماذا أكتبُ؟» بل: «ما الفجوةُ التي يَملؤها ما أكتبُه؟». وهذا التحوُّلُ الدقيقُ في صياغةِ السؤال، هو — في ذاتِه — الأثرُ الحقيقيُّ الذي تَتوخَّاه مدرسةُ الدكتوراه من تنظيمِ مثلِ هذه اللقاءات.
وبهذه الدورة، تُؤكِّدُ جامعةُ العلومِ الإسلاميةِ بالعيون، عبر ذراعِها البحثيِّ الأرفع — مدرسةِ الدكتوراه — أنَّها تَمضي بثباتٍ نحو تَخريجِ جيلٍ من الباحثين يَمتلكون أدواتِ السؤالِ الدقيق، ويَحملون مشاريعَهم العلميةَ إلى فضاءِ النشرِ الدوليِّ المحكَّم بثقةٍ واقتدار.




