دبلوماسية المصاحف” في طهران ،كيف تحولت مراسم تأبين خامنئي إلى منصة رسائل سياسية مشفرة؟/ كتب: ا.د كريم فرمان

المصدر : الكاتب /
أثارت الآية القرآنية الـ13 من سورة آل عمران، والتي تليت في طهران أمام الوفد السعودي المشارك في مراسم تأبين المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في يوليو 2026، موجة عارمة من الجدل السياسي والديني. هذه التلاوة، التي تزامنت بدقة مع وقوف الوفد برئاسة نائب وزير الخارجية السعودي أمام الجثمان، نُظر إليها على نطاق واسع في الأوساط التحليلية باعتبارها توظيفاً سياسياً متعمداً للنص الديني، يحمل في طياته دلالات عميقة تتجاوز بروتوكولات العزاء التقليدية.
نص الآية الكريمة :
«قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ».
وفيما يلي تفكيك لأبرز الدلالات السياسية والدينية التي حملها هذا المشهد:
1. الدلالات السياسية الإقليمية
* فرز المعسكرات: ترتبط الآية تاريخياً بأحداث معركة بدر الكبرى، وهي أول مواجهة حاسمة وفرز واضح في التاريخ الإسلامي. واختيارها هنا يُفسر سياسياً على أنه محاولة إيرانية لرسم خطوط فاصلة في المشهد الإقليمي بعد التصعيد العسكري الأخير مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
* عتاب الجيرة وتحذير مبطن: ترى القراءات التحليلية أن طهران أرادت إيصال رسالة عتاب أو لوم مبطن للرياض، على خلفية المواقف الدبلوماسية والعلاقات الوثيقة التي تربط السعودية بالولايات المتحدة والغرب. فالتلويح بوجود “فئتين” يمثل إشارة غير مباشرة للاصطفافات السياسية الحالية في المنطقة.
* تكريس سردية “النصر الصامد”: استخدمت إيران الآية للإيحاء بصلابة موقفها النفسي والسياسي رغم الضربات العسكرية والضغوطات الدولية المحيطة بها، معتبرة بقاء نظامها وقدرته على حشد الوفود الدولية دليلاً على صمود تيارها.
2. الدلالات الدينية والأيديولوجية
* احتكار تمثيل “الحق”: يحمل توظيف الآية دلالة أيديولوجية حادة؛ فإسقاط سياق “الفئة التي تقاتل في سبيل الله” على المعسكر الإيراني وحلفائه، ووضع الخصوم أو الصامتين في الخانة المقابلة، يعكس نزعة تقليدية لتوظيف النصوص القرآنية لمنح الشرعية الدينية المطلقة للتوجهات السياسية للدولة.
* الحرب النفسية الرمزية: بدلاً من استخدام البيانات الدبلوماسية الجافة، لجأ المنظمون إلى “الرمزية القرآنية” الموجهة. هذا الأسلوب يتيح لإيران تمرير رسائل بالغة الحساسية والتأثير النفسي، مع الاحتفاظ بهامش من المناورة الدبلوماسية من خلال التذرع بأن التلاوة تندرج ضمن الأجواء الروحية للمراسم.
* استدعاء الذاكرة المشتركة: من زاوية قراءة أكثر مرونة، فإن استحضار معركة بدر يمس تاريخاً وجغرافيا وذاكرة حضارية مشتركة تقع جغرافيتها في أراضي المملكة العربية السعودية الحالية، مما يجعل اختيار النص مرتبطاً بالمنشأ الجغرافي والرمزي للوفد الحاضر.
وختاما استطيع القول
تظل “دبلوماسية الآيات” التي شهدتها مراسم تأبين خامنئي مؤشراً بارزاً على كيفية تحويل المناسبات الجنائزية الرسمية في طهران إلى مسرح لتصنيف الحلفاء والخصوم. ورغم غياب أي تفسير رسمي إيراني يحسم نية المنظمين، فإن التباين الواضح في الآيات التي تليت أمام كل وفد أجنبي (مثل تلاوة آيات الصلح والتيسير أمام وفود أخرى كقطر وعُمان) ينفي فرضية العفوية، ويؤكد أن النص القرآني وظّف ليكون بمثابة مرآة تعكس النظرة الإيرانية لطبيعة ومستقبل العلاقات مع دول الجوار والمنطقة.




