
في الأيام الماضية، لاحظنا مشهدًا يتكرر بإلحاح: وزراء يُطلّون على الرأي العام من مكاتبهم، عبر خرجاتٍ إعلامية مُسجَّلة، يخاطبون المواطنين من وراء الكاميرات، وينقلون إليهم خبرًا هم أنفسهم منتجوه. فلا صحفي يسأل، ولا عدسة محايدة تُصوّر، ولا مسافة تفصل بين صانع القرار و راوي إنجازه. الوزير هنا لا يُدار معه حوار، بل يُنتج مشهدًا كاملًا: هو البطل، وهو الراوي، وهو من يُقرر متى يبدأ الخبر وأين ينتهي.
وأمام هذا المشهد، يستحضر الذهن مبدأين من مبادئ العرب والفقه في آنٍ واحد «شهد شاهدٌ من أهلها»،
وهي شهادة قد تُحسن عرض الوقائع،
«لا يُقبل من المرء أن يكون شاهدًا على دعواه»،لأن الأصل أن تُقيِّم الإنجاز جهةٌ مستقلة، لا صاحبه.
وبين هذين المبدأين يبرز سؤالٌ مشروع:
هل فقدت الحكومة ثقتها في الصحافة الوطنية حتى أصبح الوزراء يقومون بدورها؟
أم أن الخطاب الحكومي لم ينجح في إيصال ما يراه إنجازات إلى عقول المواطنين، فحاولت أن توصله إليهم عبر لسان الوزير بدلًا من قلم الصحفي وعدسته؟
إن وظيفة الوزير هي الإنجاز والإدارة،أما وظيفة الصحافة فهي نقل الوقائع وتحليلها ومساءلة أصحاب القرار.
وعندما تتداخل الأدوار، يصبح الرأي العام أمام رواية يقدّمها صاحب الإنجاز عن نفسه، لا أمام تقييمٍ مستقل يطمئن إليه المواطن، بل أمام مرآةٍ يُمسكها الوزير بيده ليختار بنفسه الزاوية التي يُعرض منها إنجازه.
ولعل هذا الميل مفهوم في سياقه ، فالوزير حريصٌ على أن يصل صوته إلى الناس بأسرع وقتٍ وأوضح عبارة، ولا لوم عليه في حرصه هذا ، غير أن الخبرة في فنون الاتصال تُعلّمنا أن قيمة أي رسالة لا تُقاس بسرعة وصولها فحسب، بل بمصدرها أيضًا ،فالشهادة التي يُراد منها أن تطمئن الرأي العام، تكتسب وزنها من استقلالية صاحبها ، لا من فصاحته أو حسن نيته.
وحين يتحدث الوزير عن نفسه ،يفقد كلامه تلك القيمة المضافة التي كان سيكتسبها لو صدر عن جهةٍ لا مصلحة لها في التجميل أو التهويل
ومن هذا المنطلق، قد يكون من الأجدى للحكومة أن تستثمر في تمكين الصحافة الوطنية من أداء دورها كاملًا، لا كبديلٍ عن التواصل الوزاري المباشر ، بل كرافدٍ يُعزّز مصداقية ما يُقال ويمنحه صدى أوسع وثقةً أرسخ لدى المواطن ، فالخطاب الحكومي، مهما بلغ من الوضوح، يبقى بحاجةٍ إلى من يُصدّق عليه من خارج دائرته.
وإذا كان الأمر قد آل إلى أن يتبنى الوزير بنفسه هذا النهج التواصلي، وارتضاه المواطن وتفاعل معه،
فإن سؤالًا أعمق يفرض نفسه: ما جدوى الإبقاء على هيئات إعلامية عمومية تستهلك من ميزانية الدولة أموالًا طائلة، إن كانت عاجزة عن إيصال الخبر الذي يريد الوزير نفسه إيصاله، حتى اضطر إلى أن يتولى ذلك بصورته وصوته؟
فإذا كان المصدر الأول للخبر قادرًا على الوصول إلى المواطن دون وساطة، فأين يكمن الإنجاز الذي يُفترض أن تقدمه هذه الهيئات مقابل ما تتقاضاه من المال العام؟
فهل نحن أمام أزمة ثقةٍ بين الحكومة والصحافة الوطنية دفعت الوزير إلى أن يتحدث بنفسه، أم أمام فرصةٍ لم تُستثمر بعد لبناء شراكةٍ تُعيد للصحافة دورها وللخطاب الحكومي مصداقيته؟
تحيات المهندس / احمد ولد اعمر




