الأخبارالصدى الثقافي

عاصمة بني أمية تكرم سعاد الصباح./  كتب ا.دكريم فرمان

عندما تكون زائرا لدمشق ترى بعينيك عناق الفكر والحضارة والتاريخ ، فكيف اذا وقفت دمشق الياسمين بكل عظمة تاريخها وشموخ قاسيون وانسياب بردى لتكرم شاعرة العرب الأولى واخر كبار عمالقة الشعر والحرف والابيات التي نترنم فيها في حياتنا اليومية، وحين تلتقي شمس الخليج بمآذن الشام

 

وحين تُشرق شمس الكلمة من ضفاف الخليج لتتعامد على مآذن دمشق، لا يعود التاريخ مجرد صفحات تطوى، بل يستحيل عناقاً أبدياً بين أصل الحضارة ونبع الإبداع. في قلب الشام، حيث “تهتف لك حجارة الجامع الأموي، ويهتف لك قاسيون وتحتضنك البيوت العتيقة”، تجلت أبهى صور الوفاء الثقافي، حين كرمت عاصمة الأمويين سادنة الحرف العربي والشاعرة الكبيرة الدكتورة سعاد محمد الصباح في مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي. هذا التكريم لم يكن بروتوكولاً عابراً، بل اعترافاً بمسيرة إبداعية صاغت وجدان أمة، وترسيخاً لعمق الروابط التي تجمع الكويت بسوريا في فضاء العروبة الثقافي.

 

 شمس العرب آخر عمالقة الزمن الجميل

 

الشاعرة الكويتية البارزة د.سعاد الصباح

لم يكن غريباً على الشام أن ترى في الدكتورة سعاد الصباح امتداداً لزمن الكبار، العبق بالثورة والجمال؛ فقد وصفها وزير الثقافة السوري بعبارة لخصت مكانتها الاستثنائية حين قال إنها: “سعاد الصباح شمس الكويت وشمس العرب”. وهي بالفعل تلك الشمس التي لم تغب أشعتها يوماً عن قضايا أمتها، حاملةً لقب “سادنة العروبة” الذي يليق بوفائها وتاريخها، و”مناصرة فلسطين” التي نافحت عنها بالدمع والحبر، و”شاعرة الأوطان والحب والجمال” التي غسلت بكلماتها أوجاع الضاد، لتقف اليوم كآخر جيل العمالقة من شعراء الزمن الجميل الذين ما زالت قصائدهم تمشي خيلاء في دروب الهوية.

 

قراءات في سفر “شاعرة العرب.

وقد شهد الاحتفاء حراكاً نقدياً رفيعاً يليق بقيمة المكرَّمة؛ حيث عُقدت ندوة حوارية كبرى تمحورت حول تجربة الشاعرة ومسيرتها الثقافية، شارك فيها نخبة من كبار النقاد والأدباء السوريين الذين قاربوا إبداعها برؤى عميقة وتجلى ذلك في طروحات أ.د. محمد الطحان، ود. نزار العاني، ود. فايز الداية، وإدارة د. عيسى المسعودي، ليشكلوا معاً حلقة فكرية تليق بـ “شاعرة العرب” وتستنطق أبعاد نصها الإنساني والوطني المتفرد.

 

 رسالة الشام، اعتراف بعبقرية المكان وطعم التكريم المغاير .

وفي رسالتها الوجدانية المفعمة بالحب والشجن، والتي ألقاها نيابة عنها مدير دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع د. علي المسعودي، صبت الشاعرة روحها في محبرة الشام، قائلةً بلسان المحب الهائم: “يسعدني جداً أن أكون مرة أخرى في دمشق في قلب ذاكرة العرب، المدينة التي تشعر فيها وأنت تعبر الشوارع بأنك تعبر القرون، حيث تمشي الحضارة إلى جوارك وتصافحك اللغة العربية وهي في أبهى أثوابها”. لقد اختصرت الدكتورة سعاد معنى هذا الاحتفاء حين أكدت أن التكريم في دمشق له طعم مغاير ومذاق فريد، بقولها: “إن لهذا التكريم في دمشق معنى مختلفاً، فالجوائز تبهج أي إنسان ولكن له في مدينة الأمويين طعم آخر، طعم عاصمة حملت رسالة الحضارة إلى الدنيا” ، فالكلمة تهزم الخراب .

 

نبوءة النهوض والأمل المستعاد .

لقد جاءت الكلمات لتؤكد إيمان الشاعرة الأزلي بقوة الكلمة وقدرتها على البقاء في وجه الأعاصير، فاستدعت ذكريات الماضي الجميل في أمسيات الثقافة السورية، مردفةً: “تذكرت دمشق في مواسم الشعر وفي أمسيات الثقافة وفي الأصدقاء الذين يؤمنون بأن الكلمة تستطيع أن تهزم الخراب، وفي القصيدة التي كانت دوماً إحدى وسائل الدفاع عن الحياة”. إنها الرؤية الاستشرافية لـ “شمس العرب” التي رأت في عودة الروح إلى سوريا عودة للأمل القومي بأكمله، مستبشرةً بالمستقبل عبر عباراتها القاطعة: “واليوم وأنا أرى سورية تستعيد عافيتها وتفتح نوافذها للحياة من جديد، أشعر بأن الأمل العربي لم يقتل وأنه قاوم كثيراً لحظة الموت حتى حانت لحظة النهوض”.

حصون الثقافة عصية، وأمة الشعر ولدت لتبقى

 

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقا

أما الحقيقة الراسخة التي يضعها هذا التكريم أمام مرآة التاريخ، فهي أن العواصم قد تمرض، والحدود قد تبدل ملامحها السياسة، والحروب قد تهدم السقوف، لكن “حصون الثقافة” تظل عصية على السقوط. لقد أثبت عناق دمشق وسعاد الصباح أن الهوية العربية ليست شعاراً في أروقة السياسة، بل هي نبض يسري في عروق القصيدة؛ فالشعوب التي أنجبت أبا تمام والمتنبي والمعري وزينوبيا، لا يمكن أن تعجز اليوم عن كتابة مستقبلها. الصدمة الكبرى لكل مراهني الموت هي أن دمشق لم تكرم سعاد الصباح لمجرد ماضٍ مضى، بل لأنها أعلنت للعالم أجمع من فوق منبر الأمويين: إن أمةً تملك شمس السيرة ونور القصيدة، هي أمةٌ ولدت لتبقى، ولن تموت!

المصدر : الكاتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى