إطلالة على حياة الصحابية الجليلة “أم حرام” .. راكبة البحر و فاتحة الجزيرتين!! / كتب ا.د كريم فرمان
من قلب صحراء المدينة المنورة، ومن بين أصوات صهيل الخيول في الفتوحات البرية، انطلق طموح امرأة مسلمة ليتجاوز حدود اليابسة ويشق عباب البحر الأبيض المتوسط. لم يكن دور المرأة في صدر الإسلام مقتصراً على التربية أو مداواة الجرحى خلف الصفوف فحسب، بل صاغت بدمائها وجهادها تاريخ أمة. وتأتي الصحابية الجليلة أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها لتكون العنوان الأبرز والشاهد الحي الخالد في جزيرة قبرص على أن عظمة الإسلام اكتملت بجهاد نسائه ورجاله معاً.
تنتمي أم حرام إلى بيئة تَنفّست التضحية والفداء ،فنسبها الشريف هي أم حرام بنت ملحان بن خالد الأنصارية الخزرجية.
وهي أخت الصحابية الخنساء الأنصارية “أم سليم”، وخالة خادم النبي ﷺ أنس بن مالك.
طما أن زوجها هو الصحابي البطل عبادة بن الصامت، وأخوها هو حرام بن ملحان الذي قال عند استشهاده: “فزت ورب الكعبة”. وكانت لها منزلة لدى رسول الله ﷺ يكرمها ويحترمها، ويدخل بيتها في قِباء، ويقيل (ينام وقت الظهيرة) عندها.
البشارة النبوية : حلم ركوب البحر
في إحدى غفواته الخفيفة في بيتها، استيقظ النبي ﷺ ضاحكاً، فدار بينهما حديث صاغ مستقبلها. الرؤيا الأولى: رأى ناساً من أمته يركبون وسط هذا البحر غزاة في سبيل الله، كالملوك على الأسِرّة.
فقالت أم حرام: “يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم”، فدعا لها وقال: “أنتِ من الأولين”. وصدقت نبوءة نبينا الكريم محمد ص النبوءة فتحقق هذا الحلم بعد عقود، لتكون أول امرأة تشق أمواج البحر غازية في سبيل الله.
العصر والسياق التاريخي: ميلاد الأسطول الإسلامي
عاشت أم حرام طفولة الإسلام وشبابه في المدينة، لكن رحلتها التاريخية تزامنت مع تحول استراتيجي للمسلمين ، اذ وقعت رحلتها في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه.
و انطلقت الرحلة بإلحاح وتخطيط من والي الشام آنذاك معاوية بن أبي سفيان، بعد أن أذن له الخليفة إثر إصرار شديد لحماية ثغور المسلمين من غارات البيزنطيين.وحدثت الغزوة نحو عام 28 هـ أو 29 هـ.
ولم يكن وقتها ركوب البحر نزهة، بل كان مغامرة عسكرية كبرى غير مسبوقة في تاريخ العرب،فقد تم بناء الأسطول وأُنشئت السفن في موانئ الشام (مثل عكا ويافا) بأيدي مهندسين مسلمين وبمساعدة سكان السواحل.
اندفع الأسطول الإسلامي من ساحل الشام، والتقت القوات الفاتحة مع أسطول آخر قادم من مصر بقيادة عبد الله بن أبي السرح لتشكيل قوة ضاربة لتحقيق الهدف الاستراتيجي فقد كانت قبرص تمثل قاعدة إمداد متقدمة لجيوش الإمبراطورية البيزنطية، واستهدافها كان لقطع يد الروم في شرق المتوسط.
و عند وصول السفن المسلمة إلى شواطئ الجزيرة، باغتت القوات البيزنطية وحاميتها. تفوق المسلمون في الهجوم البري والبحري المشترك، مما أجبر حاكم الجزيرة الصالح “صومع” وأهلها على طلب الصلح.
وجرى توقيع معاهدة تاريخية فرضت على أهل قبرص جزية سنوية قدرها 7200 دينار، مع التزامهم بعدم مساعدة الروم وإبلاغ المسلمين بتحركات أساطيلهم.
الاستشهاد في قبرص: الموت على طاعة
بعد أن وضعت المعركة أوزارها وتحقق الفتح والصلح، حانت لحظة الوفاء بالوعد الإلهي لأم حرام.
قُدِّمت لأم حرام دابّة (بَغلة) لتركبها بعد خروجها من البحر لتفقد أرجاء الجزيرة،صرعتها الدابة (ألقتها عن ظهرها)، فاندقت عنقها رضي الله عنها، وفاضت روحها الطاهرة إلى بارئها.
وقد دُفنت في نفس المكان الذي سقطت فيه في جزيرة قبرص، لتصبح أول شهيدة مسلمة تحتضنها أرض الجزيرة.
واذا ما اردنا تحليل تمكين المرأة بين أصل الرؤية الإسلامية وتحديات المعاصرة
و تأملنا سيرة أم حرام رضي الله عنها بعين التحليل المعاصر، نجد أنها تُقدّم نموذجاً فريداً ومتقدماً لمفهوم “تمكين المرأة”، يتجاوز الأطر النمطية السائدة اليوم من خلال النقاط التالية:
* ثقة القيادة السياسية والعسكرية: إن ركوب أم حرام للبحر في تلك الحملة الاستراتيجية لم يكن مجرد مرافقة عائلية عابرة، بل كان بمباركة وتأييد وإقرار من القيادة العليا للأمة (بدءاً من البشارة النبوية، وصولاً إلى قرار الخليفة عثمان وقائد الجيش معاوية). هذا يعكس وعياً مبكراً بقدرة المرأة على تحمل مشاق الأزمات ومشاركة المجهود الحربي والدبلوماسي للدولة.
* هدم الصورة النمطية: تعيد هذه الحادثة صياغة الفهم المعاصر عن دور المرأة المسلمة في الصدر الأول؛ فلم تكن معزولة أو عاجزة، بل كانت شريكة في صناعة السيادة ورسم الجغرافيا السياسية للأمة من خلال دعم قضاياها الكبرى وتوسيع آفاق دعوتها.
* الريادة والمبادرة الذاتية.
* التمكين في قصة أم حرام لم ينتظر قانوناً أو بياناً، بل نبع من مبادرتها الذاتية وإصرارها حين قالت: “ادع الله أن يجعلني منهم”. هذه الروح الوثابة تلهم المرأة المسلمة اليوم في مختلف الميادين لتبتكر وتبادر وتقتحم مجالات العلوم والقيادة وبناء المجتمع، مستندة إلى إيمانها الراسخ وهويتها الأصيلة.
ماذا قيل عنها وعن قبرها؟
ظلّ قبرها عبر العصور مزاراً وعلامة فارقة، ومما قيل في أثرها:
* قال عنها الواقدي وغيره من المؤرخين: “قبرها بقبرص معروف، يُستسقى به، ويقولون: قبر المرأة الصالحة”.
* يُمثّل قبرها (المعروف اليوم بمسجد وتكية هالة سلطان في لارنكا على ضفاف البحيرة المالحة) وثيقة جغرافية وتاريخية على وصول الإسلام إلى عمق البحر الأبيض المتوسط في القرن الأول الهجري.

وختاما عزيزي القاريء ان قبرها في البحر الأبيض المتوسط اليوم هو منارة عظمة المرأة المسلمة
فلم يكن قبر أم حرام بنت ملحان في جزيرة قبرص مجرد مدفن لامرأة صالحة، بل هو وثيقة جغرافية مشيدة بالحق، ومنارة تسطع لتثبت للعالم أن المرأة المسلمة في صدر الإسلام لم تكن هامشاً في كتاب التاريخ، بل كانت هي من تخطّ سطوره. وعليك أن تتخيل إن ركوب امرأة لموج البحر في زمن لم تكن السفن فيه إلا ألواحاً ودسراً، يؤكد أن إيمانها غلب خوفها، وأن تطلعها للشهادة فاق حبها للاستقرار. ستبقى “أم حرام” رمزاً ملهماً يُثبت أن عظمة الأمم تُقاس بصلابة عقيدة نسائها، ورجالها وأن أثر المرأة المسلمة عابر للقارات ولقرون.




