الأخبارتحقيقاتتقارير ودراسات

زيارة شي جين بينغ إلى مصر.. شراكة استراتيجية تتجاوز الاقتصاد وتعزز موقع القاهرة دولياً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي و نظيره الصيني (ارشيفية من النت)

(إعداد :  قسم تقارير الصدى)

تتجه أنظار المنطقة إلى القاهرة مع الاستعداد للزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، في محطة دبلوماسية بالغة الأهمية تأتي بعد عشر سنوات من آخر زيارة رسمية للرئيس الصيني إلى مصر، وتضع العلاقات بين القاهرة وبكين أمام مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية. وتأتي الزيارة، وفق الإعلان الصيني والمصري، لبحث تطوير العلاقات الثنائية وتبادل الرؤى بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

 

وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لأنها تتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية؛ وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956. وخلال سبعة عقود، انتقلت العلاقات من التعاون التقليدي إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي أُعلنت رسمياً عام 2014، لتصبح الصين أحد أهم الشركاء الاقتصاديين والاستثماريين لمصر.

 

اقتصادياً.. توسيع الشراكة وتقليل مخاطر الاعتماد على الدولار

 

يتصدر التعاون الاقتصادي والمالي جدول أعمال المرحلة الجديدة. فقد جرى في يونيو 2026 تجديد اتفاقية مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني لثلاث سنوات، مع رفع قيمتها إلى 30 مليار يوان، بما يعادل نحو 4.4 مليار دولار، بهدف دعم التجارة الثنائية وتسوية جانب من المدفوعات بالعملتين المحلية والصينية وتقليل الحاجة إلى الدولار في بعض المعاملات. ويأتي ذلك ضمن توجه أوسع لتعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة الدولية.

 

كما تستفيد مصر من مبادرة صينية لإعفاء واردات الدول الأفريقية ذات العلاقات الدبلوماسية مع بكين من الرسوم الجمركية، وهو ما يفتح أمام المنتجات المصرية فرصة أكبر للوصول إلى السوق الصينية. وفي أغسطس الجاري، أُعلن عن 17 عقداً تصديرياً بقيمة 168 مليون دولار تشمل منتجات زراعية ومنسوجات وجلوداً وسلعاً هندسية، بما يعكس توجهاً نحو معالجة اختلال الميزان التجاري من خلال زيادة الصادرات المصرية.

 

وتشمل أجندة التعاون كذلك توسيع الاستثمارات الصينية في مصر، التي تجاوز إجماليها، وفق البيانات المصرية، 10 مليارات دولار، مع تركيز متزايد على الصناعات والطاقة النظيفة ومكونات الطاقة المتجددة، فضلاً عن مشروعات محتملة في منطقة قناة السويس.

 

مشروعات استراتيجية.. من العاصمة الجديدة إلى النقل والطاقة

 

لا تنفصل زيارة شي عن مسار طويل من المشروعات الصينية الكبرى في مصر، وفي مقدمتها مشاركة الشركات الصينية في تنفيذ مشروعات بالعاصمة الإدارية الجديدة، وخاصة منطقة الأعمال المركزية التي تضم البرج الأيقوني، إلى جانب مشروعات النقل والقطارات الكهربائية والطاقة.

 

وفي مارس 2026 بدأ التطبيق الفعلي لاتفاق قرض حكومي ميسر بقيمة 200 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الصيني لاستكمال المرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف، بما يعكس استمرار الدور الصيني في تحديث البنية التحتية المصرية.

 

كما يتوقع أن يحظى التعاون في الطاقة المتجددة والتصنيع المحلي باهتمام خاص، في ظل مساعي القاهرة لجذب الاستثمارات الصينية وتوطين التكنولوجيا وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري.

 

البعد السياسي.. القاهرة وبكين أمام ملفات إقليمية ودولية!!

 

لن تكون الزيارة اقتصادية فقط؛ إذ أعلنت الرئاسة المصرية أن المباحثات ستتناول أيضاً قضايا إقليمية ودولية محل اهتمام مشترك. ويمنح موقع مصر الجغرافي والسياسي، ودورها في الشرق الأوسط وأفريقيا، أهمية خاصة للحوار مع بكين، خصوصاً في ملفات الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر وحرية الملاحة والتعاون بين الدول النامية.

 

وتتقاطع الرؤية المصرية والصينية في التأكيد على أهمية احترام سيادة الدول ودعم التعددية الدولية وإصلاح النظام الدولي وتعزيز دور المؤسسات متعددة الأطراف، وهي ملفات تزداد أهميتها في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.

 

لماذا مصر؟

 

بالنسبة إلى بكين، تمثل مصر بوابة رئيسية إلى العالم العربي وأفريقيا، وموقعاً استراتيجياً على طريق التجارة الدولية بفضل قناة السويس، فضلاً عن كونها سوقاً كبيرة ومركزاً محتملاً للتصنيع والتصدير إلى أسواق المنطقة.

 

أما بالنسبة إلى القاهرة، فإن تعميق الشراكة مع الصين يمنحها هامشاً أوسع لتنويع الشركاء الدوليين، وجذب الاستثمارات والتكنولوجيا، وتعزيز موقعها في منظومة الاقتصاد العالمي. كما أن عضوية مصر في تجمع بريكس تعكس تنامي حضورها في دوائر التعاون الاقتصادي للدول الصاعدة، وهو مسار يتقاطع بصورة مباشرة مع علاقاتها المتنامية مع الصين.

 

وبذلك، فإن زيارة شي جين بينغ المرتقبة لا تبدو مجرد زيارة ثنائية تقليدية، بل محطة لإعادة صياغة أولويات الشراكة المصرية الصينية؛ من التجارة والاستثمار إلى الطاقة والنقل والتكنولوجيا والتمويل، ومن العلاقات الثنائية إلى التنسيق بشأن قضايا الإقليم والنظام الدولي. وتؤكد استضافة القاهرة للرئيس الصيني مجدداً أن مصر ما تزال تحتفظ بموقع متقدم في الحسابات الدبلوماسية والاقتصادية للقوى الكبرى، مستفيدة من ثقلها العربي والأفريقي وموقعها الجغرافي ودورها في ملفات الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى