هل يستفيد الحكام الأفارقة من الدرس النيجري؟ احمد ولد الدوه

محرر في صحيفة الصدى الموريتانية
لم يكن فجر نيامي، أمس، فجرًا عاديًا. فقد
استيقظت العاصمة النيجرية على أصوات الانفجارات وإطلاق النار، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية في منطقة الساحل، وأثار أسئلة عميقة حول طبيعة العلاقة بين الجيوش والسلطة، وحول حدود قدرة الأنظمة على حماية نفسها عندما تتسع الفجوة بينها وبين شعوبها.
انتهت أحداث التمرد، لكن آثارها السياسية والنفسية لن تنتهي بسهولة.
فالرسالة الأهم التي ينبغي التوقف عندها ليست فقط من انتصر في مواجهة الساعات الماضية،
وإنما: لماذا وصلت الأمور أصلًا إلى هذه المرحلة؟
لقد كشفت الأحداث، مرة أخرى، أن بناء منظومة أمنية قوية حول الحاكم لا يعني بالضرورة بناء دولة مستقرة.
فالحرس الرئاسي، مهما كان تسليحه وتدريبه، لا يستطيع أن يحل محل الجيش الوطني، ولا يستطيع أن يحمي نظامًا من غضب شعبه إذا تراكمت أسباب الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
كما أن الاحتماء بالقوى الخارجية، مهما كانت طبيعة التحالفات، لا يمكن أن يكون بديلًا عن بناء الشرعية الداخلية. فالأنظمة السياسية لا تحميها البنادق وحدها، وإنما يحميها قبل ذلك رضا المواطنين وثقتهم في مؤسسات الدولة وشعورهم بالعدالة والانتماء والمساواة أمام القانون.
ولعل أخطر ما تكشفه مثل هذه الأزمات هو الانقسام داخل المؤسسة العسكرية نفسها، عندما يشعر جزء من الجيش بأن ظروفه لا تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه، بينما تحظى وحدات أخرى بامتيازات وتسليح وظروف أفضل.
وهنا ينبغي على الحكومات الإفريقية أن تتوقف طويلًا أمام الدرس النيجري.
فالجيش الوطني يجب أن يكون جيش الدولة، لا جيش الحاكم.
وتقوية الجيوش لا تكون فقط بشراء الأسلحة والمعدات، وإنما بتحسين ظروف العسكريين، وتوفير التدريب والتجهيز والذخيرة، وضمان العدالة داخل المؤسسة العسكرية، وترسيخ عقيدتها الوطنية بعيدًا عن الولاءات الشخصية والسياسية.
لكن الاستقرار لا يبدأ من الثكنات وحدها.
إن تقوية الجبهة الداخلية تتطلب أيضًا تحسين حياة المواطنين، ودعم القدرة الشرائية، وضمان توفر المواد الغذائية الأساسية بأسعار معقولة، والعمل على تخفيض أعباء المحروقات، وتحسين خدمات التعليم والصحة والمياه والكهرباء، وفتح أبواب الأمل أمام الشباب.
كما أن مكافحة الفساد ليست ترفًا ولادعاية سياسيًة، بل هي جزء من منظومة الأمن والاستقرار.
فعندما يرى المواطن المال العام يهدر، والامتيازات توزع على أساس النفوذ والولاء، وتتمدد لوبيات المصالح على حساب الكفاءة والمؤسسات، فإن الثقة في الدولة تبدأ بالتآكل.
ومن أخطر ما يمكن أن تفعله النخب الحاكمة أن تخلط بين هدوء الشارع ورضا الشعب.
فصمت المواطن الذي يعاني ليس بالضرورة قبولًا بالواقع، وقد يكون أحيانًا تعبيرًا عن عجزه عن تغيير وضعه أو عن انتظار اللحظة التي يجد فيها طريقًا للتعبير عن غضبه.
لذلك، فإن الحكمة تقتضي الاستماع إلى أصوات الناس قبل أن تتحول الشكاوى إلى احتقان، والاحتقان إلى غضب، والغضب إلى انفجار يصعب التحكم في نتائجه.
ومن هنا فإن تعطيل الحوار الوطني، أو التشويش عليه، أو تحويل النقاش العام إلى سباق للمطالبة بمأموريات إضافية، لن يخدم استقرار الدول. فالدول القوية هي التي تحترم مؤسساتها ودساتيرها، وتتيح لشعوبها التعبير عن مخاوفها وتطلعاتها، وتبحث عن الحلول من خلال الحوار لا من خلال الاستقطاب.
إن درس النيجر، إذا أرادت حكومات المنطقة أن تستفيد منه، ينبغي ألا يكون مجرد درس أمني، بل درسًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا أيضًا.
فالاستقرار المستدام لا يبنى بالخوف، ولا بالحرس الرئاسي، ولا بكثرة المصفحات، ولا بالتحالفات الخارجية وحدها.
الاستقرار الحقيقي يبنى عندما يشعر المواطن أن الدولة دولته، وأن ثرواتها ملك لجميع أبنائها، وأن القانون فوق الجميع، وأن الجيش يحمي الوطن لا الأشخاص، وأن المسؤولية تكليف وليست امتيازًا، وأن أبواب الإصلاح والحوار مفتوحة قبل أن تُفتح أبواب الأزمات.
وعلى الحكام الأفارقة أن يدركوا أن أخطر وهم سياسي هو الاعتقاد بأن صمت الأغلبية يعني رضاها.
فلا حماية للحاكم ولا حصانة له إلا من خلال شعبه.
أطعِم شعبك، وأمّنه، وعلّمه، وأنصفه، واحترم كرامته، وافتح أمامه أبواب الأمل؛ عندها سيكون هو خط الدفاع الأول عن دولته واستقرارها.
فالجيش يحمي الحدود، والمؤسسات تحمي الدولة، أما الشعب فهو الذي يحمي شرعية الحكم.
وإذا كان ثمة درس حقيقي ينبغي أن يخرج به الساحل الإفريقي من أزماته المتلاحقة، فهو أن الحكم الرشيد ليس ترفًا، والعدالة الاجتماعية ليست شعارًا، وتحسين حياة المواطنين ليس منّةً من السلطة؛ بل هو أساس الأمن والاستقرار وبقاء الدولة.




