الأبعاد الاستراتيجية لاتفاقية مكة للدفاع المشترك: الردع الجماعي وبناء تحالف أمني إقليمي جديد / محمد جمال قنديل

باحث فى العلاقات الدوليه
مقـــــدمــــــة:
شكّل توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في السابع من أغسطس 2026 بين المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية محطة فارقة في بنية التحالفات الأمنية بمنطقتي الخليج والشرق الأوسط، إذ جاءت الاتفاقية في أعقاب سلسلة من الصدمات الاستراتيجية المتلاحقة التي كشفت هشاشة الترتيبات الأمنية القائمة على الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة، وفي مقدمتها جولتا الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في يونيو 2025 وفبراير 2026، ورد إيران عليهما بإغلاق مضيق هرمز وتقييد صادرات الطاقة،
إلى جانب استهداف إسرائيل لوفد مفاوض من حركة حماس على الأراضي القطرية في سبتمبر 2025. وتسعى هذه الورقة إلى تحليل الأبعاد الاستراتيجية لهذه الاتفاقية، من خلال الإجابة عن سؤال محوري: إلى أي مدى تمثل اتفاقية مكة تحولاً نوعياً نحو بناء منظومة ردع جماعي فاعلة، وما حدود قدرتها على الانتقال من إطار سياسي أمني إلى تحالف عسكري تنفيذي؟
منهجياً، تعتمد الورقة على المنهج التحليلي الوصفي القائم على قراءة البيان المشترك الصادر عن قمة مكة المكرمة ومتابعة مجريات التفعيل اللاحقة، وصولاً إلى أولى اجتماعات اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية المنعقدة في إسطنبول نهاية أغسطس 2026، بهدف تفكيك المرتكزات الثلاثة التي قامت عليها الاتفاقية، ومقارنتها بمعطيات القدرات والمصالح المتباينة لأطرافها الثلاثة.
أولاً: المرتكزات الثلاثة للاتفاقية وبنيتها القانونية
استناداً إلى البيان المشترك الصادر عن قمة مكة المكرمة، تقوم الاتفاقية على ثلاثة مرتكزات أساسية: يتمحور أولها حول تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء تتعرض له الدول الثلاث، ويقوم ثانيها على مبدأ الأمن الجماعي بنصه على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع، بينما ينص المرتكز الثالث، وهو الأكثر واقعية من الناحية التطبيقية، على تطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي بين الدول الأعضاء، من قبيل تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريب والمناورات المشتركة والدفاع الجوي والصاروخي والتصنيع الدفاعي المشترك.
وتحمل اتفاقية مكة دلالة تاريخية مزدوجة؛ إذ تُعد أول إطار أمن جماعي يضم دولاً عربية وغير عربية منذ حلف بغداد الذي أُنشئ في فبراير 1955 وضم العراق وتركيا وباكستان وإيران وبريطانيا، كما تمثل في الوقت ذاته أول اتفاقية دفاع مشترك توقّعها السعودية خارج إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بعد أن ظلت الرياض لعقود ترفض الانخراط في ترتيبات دفاعية خارج هذا الإطار، ومن ذلك امتناعها عن الانضمام إلى مبادرة إسطنبول للتعاون الأمني التي أطلقها حلف الناتو عام 2004. ويعكس هذا التحول إقراراً سعودياً ضمنياً بمحدودية قدرة مجلس التعاون، بوصفه إطاراً للأمن الجماعي الخليجي، على مواجهة التحديات الأمنية التي تصاعدت حدتها عقب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018 وما تلاه من مواجهات مباشرة.
ثانياً: من اتفاقية الرياض إلى اتفاقية مكة: تدرج بناء التحالف
لم تأتِ اتفاقية مكة كخطوة منفردة، بل شكّلت المرحلة الثانية من مسار سعودي متدرج لتنويع الشراكات الأمنية بعيداً عن الاعتماد الحصري على واشنطن. فقد تمثلت المرحلة الأولى في اتفاقية الرياض الموقعة بين السعودية وباكستان في 17 سبتمبر 2025 تحت مسمى اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك، والتي نصت على مبدأ مماثل يعتبر أي اعتداء على أحد البلدين اعتداءً على كليهما. وجاء هذا التوقيع بعد أسبوع واحد من استهداف إسرائيل لوفد حركة حماس المفاوض على الأراضي القطرية، وهي المرة الأولى التي تهاجم فيها إسرائيل دولة عضواً في مجلس التعاون الخليجي وترتبط باتفاقية شراكة استراتيجية مع واشنطن.
وقد تعزز هذا التوجه السعودي نحو تنويع الشراكات الدفاعية بفعل تراكم أزمات الثقة مع الولايات المتحدة، بدءاً من التعامل الأميركي المتحفظ مع هجمات منشآت أرامكو عام 2019، مروراً بحرب الاستنزاف الممتدة مع إيران في مطلع 2026 التي أظهرت، خلافاً للتوقعات، محدودية ما يمكن أن تحققه القوة الأميركية دون مراعاة كافية لمصالح دول الخليج الاقتصادية، وبخاصة تعطل صادرات النفط السعودية عبر الخليج، وما ترتب على ذلك من تصعيد مع الحوثيين استهدف منشآت التصدير السعودية على البحر الأحمر. وفي هذا السياق المضطرب أمنياً واقتصادياً، انتقلت الرياض من الثنائية مع إسلام آباد إلى إطار ثلاثي بانضمام أنقرة، بعد إطار تشاوري رباعي ضم مصر أيضاً خلال عام 2025.
ثالثاً: تباين المصالح الأمنية وحدود التحول إلى تحالف عسكري فاعل
على الرغم مما تحمله اتفاقية مكة من قدرات مجتمعة لافتة، تتمثل في الثقل المالي السعودي ومكانته في سوق الطاقة العالمية، والقاعدة الصناعية الدفاعية التركية المتطورة، والجيش الباكستاني الكبير المدعوم بترسانة نووية، فإن اختلاف أولويات الأمن القومي بين الأطراف الثلاثة يحد من قدرة الاتفاقية على التحول من تحالف سياسي أمني إلى إطار عسكري تنفيذي قادر على خوض الحروب لا ردعها فقط. فالمعضلة الأمنية السعودية تتمحور أساساً حول إيران، وهي نظرة لا تشاركها فيها الدولتان الأخريان بالقدر نفسه؛ إذ لا تبدو باكستان، التي تضم أقلية شيعية تناهز 10% من سكانها البالغ عددهم 240 مليون نسمة، وتتشارك مع إيران هواجس أمنية في إقليم بلوشستان الحدودي، مستعدة للدخول في علاقة عدائية مع طهران، بينما عملت تركيا فعلياً، عبر اتصالاتها مع الإدارة الأميركية، على إحباط مخططات إسرائيلية للاستعانة بقوى كردية إيرانية خلال الحرب على إيران.
كما أن مصادر التهديد المباشرة تتباين جغرافياً بين الأطراف الثلاثة؛ فبينما تبقى الهند مصدر التهديد الرئيس في العقيدة الدفاعية الباكستانية، تواجه تركيا تحديات أمنية من جانب إسرائيل واليونان تحديداً، في حين لا تشارك الرياض هذه النظرة في الحالتين، إذ ترتبط بعلاقات تجارية واستثمارية كبرى مع الهند بلغت نحو 50 مليار دولار عام 2025، وتستضيف في الوقت ذاته قوات دفاع جوي يونانية ساهمت في اعتراض صواريخ حوثية فوق أراضيها في يوليو 2026. وتشير هذه الاعتبارات مجتمعة إلى أن الاتفاقية ستبقى، على الأرجح، ضمن حدود تحالف سياسي أمني يقوم على تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريب المشترك والدفاع الجوي والصاروخي، أكثر من كونها بنية قيادة عسكرية موحدة قادرة على التدخل المباشر.
وفي مؤشر على انتقال الاتفاقية إلى طور التفعيل المؤسسي، شهدت مدينة إسطنبول نهاية أغسطس 2026 انعقاد أول اجتماع للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية المنبثقة عن اتفاقية مكة، بمشاركة كبار المسؤولين الدفاعيين والعسكريين من الأطراف الثلاثة، فيما يرجّح أن تتركز الخطوات العملية المقبلة حول بناء آليات تنسيق مؤسسية تدريجية، أكثر من اندفاعها نحو التزامات عسكرية مباشرة تتجاوز حدود الردع.
خــــــــــاتمة: تقدير عام
تمثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك مركز ثقل سياسي إقليمي جديد يعكس تحولاً في عقيدة السياسة الخارجية السعودية نحو تنويع الشراكات الأمنية بدلاً من الاعتماد الحصري على الحليف الأميركي، وذلك في ظل بيئة إقليمية متصاعدة التوتر أظهرت هشاشة الضمانات الأمنية التقليدية. غير أن اختلاف الأولويات الأمنية والمصالح الاستراتيجية بين أطرافها الثلاثة، وتفاوت مصادر التهديد التي يواجهها كل طرف على حدة، يرجّحان بقاء الاتفاقية في حدود تحالف سياسي أمني يقوم على الردع وتبادل المعلومات وتطوير القدرات، لا تحالفاً عسكرياً موحداً بالمعنى الكامل للكلمة. ويظل مسار التفعيل المؤسسي، كما تجسد في اجتماعات إسطنبول، هو المعيار الأدق لقياس مدى قدرة الأطراف الثلاثة على تجاوز هذا التباين نحو منظومة ردع جماعي أكثر تماسكاً في المدى المتوسط.
قائمة المراجع
- وكالة الأنباء السعودية (واس)، “البيان المشترك لقمة مكة المكرمة للدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان”، 7/8/2026
- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، “اتفاقية مكة للدفاع المشترك: حدودها وآفاقها”، تقدير موقف، 16/8/2026.
- سي إن إن بالعربية، “انعقاد أول اجتماعات اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. المشاركون وأبرز القضايا”، 31/8/2026
- الشرق الأوسط، “اتفاقية مكة… من إدارة الأزمات إلى صناعة الردع”، 24/8/2026
- العربي الجديد، “اتفاقية مكة نحو مرحلة التفعيل”، 31/8/2026.




