حريق «صوملك».. لجنة التحقيق تتحرك من موقع العطل إلى مواقع المسؤولية ومسارات الصفقات !!.

الصدى – (تقرير إخباري) : لم تعد حرائق محطتي التحويل التابعتين للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» مؤخرا مجرد حادث فني تنتظر العاصمة طي صفحته بعد عودة التيار؛ فالتحقيق الرسمي دخل مرحلة أكثر حساسية، بعدما باشرت لجنة التحقيق المشكلة من السلطات العليا، عملها من مديرية التوزيع في «صوملك»، واستمعت إلى عدد من المسؤولين والموظفين، في وقت تتجه فيه الأسئلة نحو منظومة الصيانة والتجهيز والصفقات والمسؤولية الفنية.
ويرأس لجنة التحقيق مستشار رئيس الجمهورية الوزير السابق عثمان كان،المشهود له بالنزاهة والصرامة والوطنية ، فيما تشمل تركيبتها جهات رقابية وفنية،من بينها المفتش العام للدولة سيد محمد بيده ، مع استبعاد وزارة الطاقة و«صوملك» من عضويتها، وهو ما يعكس رغبة رسمية في إبقاء التحقيق خارج الجهة التي قد تكون موضوعاً لبعض الأسئلة.
لكن المعطى الأكثر إثارة في الملف جاء من تحقيق أولي أجرته منظمة الشفافية الشاملة، ركز على كابلات جهد متوسط جرى تركيبها وربطها حديثاً بالمحطتين قبل اندلاع الحريقين، وتولت شركة CTM Bâtiment توريدها وتركيبها وربطها. وتقول المنظمة إن لديها إفادات ومؤشرات فنية تربط بين الكابلات والحريق، فيما تشير إفادات أخرى إلى فصل الكابلات احترازياً بعد الحادث.
غير أن هذه المعطيات لا تثبت وحدها أن الكابلات تسببت في الحريق؛ فالسبب النهائي يبقى من اختصاص التحقيق الفني، وهو ما يجعل الاختبار المخبري للكابلات، وفحص أنظمة الحماية والعزل، ومراجعة سجلات الصيانة، والاستماع إلى المهندسين الذين أشرفوا على التركيب، عناصر حاسمة في الوصول إلى الحقيقة.
من الكابل إلى الصفقة.. أين تبدأ المسؤولية؟
الأكثر حساسية أن التحقيق لا يقف، وفق المعطيات المتداولة، عند الجانب الفني، بل يفتح سؤالاً أوسع حول كيفية إسناد الصفقات العمومية ومدى احترام شروط التأهيل والخبرة الفنية.
وتقول منظمة الشفافية إن شركة CTM حصلت في يناير 2025 على إسناد مؤقت لصفقة مرتبطة بمد كابل بجهد 33 كيلوفولت إلى محطة إيديني بقيمة 819 مليون أوقية، قبل إلغاء الإسناد لاحقاً بعد الطعون. كما تشير إلى حصول الشركة، ضمن تجمع شركات، على صفقات أخرى من «صوملك»، بينها مشروع لإنشاء محطتي تحويل وإعادة تأهيل ست محطات في نواكشوط بقيمة 11 مليون دولار. وهذه المعطيات تحتاج بدورها إلى مطابقة مباشرة مع وثائق الصفقات الرسمية ومحاضر لجان التقييم والتنفيذ قبل استخلاص أي مسؤولية.
وتثير المنظمة كذلك مسألة الخبرة الفنية، إذ تقول إن شروط إحدى المناقصات كانت تتطلب خبرة سابقة في مشاريع مماثلة، بينما توجد ـ بحسب تحقيقها ـ فروق بين طبيعة الأعمال التي تنسبها الشركة إلى نفسها في أحد مشاريع «سنيم» وبين توزيع تلك الأعمال في وثائق أخرى. وهي نقطة يمكن للجنة التحقيق حسمها بسهولة نسبياً عبر الرجوع إلى ملفات التأهيل والعروض الفنية ومحاضر الاستلام.
أما القضية الأكثر حساسية فهي تعارض المصالح المحتمل، بعدما قالت المنظمة إن الشركة مملوكة لنائب برلماني، وربطت ذلك بأحكام قانون حالات التعارض البرلمانية. وهذه، مرة أخرى، ليست إدانة بذاتها، وإنما واقعة قانونية تستوجب التحقق من الملكية الفعلية للشركة، وطبيعة الصفقات، والفترة الزمنية، وما إذا كانت الشروط القانونية ذات الصلة تنطبق عليها.
الأسئلة التي تنتظرها اللجنة
التحقيق الجاد في هذه القضية لا ينبغي أن يكتفي بسؤال: كيف اشتعلت المحطتان؟ بل عليه أن يجيب عن سلسلة مترابطة من الأسئلة:
من صمم المحطتين ومن أشرف على تأهيلهما؟
متى ركبت الكابلات الجديدة؟ ومن اعتمدها فنياً؟
هل تطابق الكابلات المواصفات الواردة في دفتر الشروط؟
هل خضعت لاختبارات العزل والسلامة قبل إدخالها الخدمة؟
من أشرف على عملية الربط؟
هل سجلت «صوملك» أعطاباً أو إنذارات قبل الحريق؟
هل توجد تسجيلات لكاميرات المراقبة يمكنها تحديد نقطة بداية الدخان والنيران؟
هل كانت معدات الإطفاء والحماية تعمل وفق المعايير؟
لماذا وقع حادثان متقاربان في منشأتين كهربائيتين؟
وما حجم المسؤولية المحتملة لكل طرف: المورّد، المنفذ، المشرف الفني، الإدارة، أو جهة الاستلام؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية لأن الحريقين لم يتسببا في خلل محدود داخل منشأتين، بل أفضيا إلى اضطرابات واسعة في الكهرباء وانعكاسات على خدمات أساسية في العاصمة. وقد دفعت تداعيات الأزمة أطرافاً سياسية إلى المطالبة بتحقيق مستقل وتعويض المتضررين، فيما أكدت الحكومة أن التحقيق سيبحث الأسباب المباشرة وغير المباشرة والمسؤوليات وفعالية الإطفاء وإعادة الخدمة والخطط البديلة.
الصفقات تحت المجهر
وهنا تكمن أهمية التحقيق الحقيقي: ليس المطلوب العثور على كبش فداء، وإنما إعادة بناء سلسلة القرار كاملة؛ من دفتر الشروط، إلى المنافسة، إلى اختيار الشركة، ثم التوريد والتركيب والاستلام والتشغيل والصيانة.
فإذا أثبت الفحص الفني أن الكابلات أو طريقة تركيبها كانت سبباً في الحريق، فإن السؤال التالي سيكون: من صادق على مطابقتها؟ ومن سمح بإدخالها الخدمة؟
أما إذا أثبت التحقيق أن سبب الحريق مختلف تماماً، فعليه أن يضع حداً للشبهات المتداولة ويحدد الخلل الحقيقي، حتى لا تتحول قضية تقنية إلى اتهامات سياسية أو تجارية بلا أساس.
والأهم أن موقع «صوملك» الرسمي نفسه ينشر حالياً بيانات ومعلومات عن صفقات ومناقصات 2026، بينها مناقصة لتوفير معدات كهربائية مخصصة لإعادة تأهيل وتعزيز شبكة التوزيع، ما يجعل مراجعة منظومة المشتريات والمواصفات والرقابة الفنية مسألة تتجاوز حادثة أغسطس إلى سؤال أوسع حول سلامة البنية التحتية الكهربائية في موريتانيا.
والأهم من ذلك أن مسار التحقيق دخل الآن المنطقة التي تهم الرأي العام فعلاً حيث سيتحول السؤال من «كيف احترقت المحطتان؟» إلى «كيف وصل الأمر إلى هذه النقطة، ومن كان مسؤولاً عن منعها ؟ ». والإجابة المهنية لن تأتي من التسريبات أو الاتهامات، وإنما من الوثائق، والاختبارات الفنية، ومحاضر الصفقات، وسجلات الصيانة، وتحديد المسؤولية على أساس الأدلة.
أما السؤال السابق الأوانه وقد يعتبره البعض مريبا وغير بريئ فهو كيف سيتم التعاطي مع تقرير لجنة التحقيق ، في حالة أثبت تقريرها تقصير مسؤول أو رشوته ، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات الصفقات والتوريدات التي تعكف لجنة التحقيق على مراجعة سجلاتها حاليا؟




