الأخبارمقالات و تحليلات

لعنة الخوَرنق».. كمْ سِنِمَّاراً يَمشي بَينَنا؟ / ا.د كريم فرمان 

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقا

كلما تذكرت قول الشاعر العربي؛

فاذا انتشيت فانني     رب الخورنق والسدير، ،،

واذا صحوت فانني      رب الشويهة والبعير !

استذكر قصة قصر الخورنق المؤلمة وجزاء مهندسه ومبدعه سنمار.

ففي دهاليز التاريخ حكاية تعيش معنا ولا تموت، حكاية كلما أردنا نسيانها، أيقظها فينا جحود بَشريٌّ جديد. إنها قصة سِنِمَّار، المهندس العبقري الذي بنى للملك النعمان قصر الخوَرنق؛ ذلك الصرح الأسطوري الذي قيل إن حجارته كانت تتلون مع فصول السنة.

 

وعوضاً عن أن يُتوَّج بالذهب والثناء، كان مكافأته أن رُمي من أعلى القصر الذي شيدته يداه، ليموت مدرجاً بدمائه، ويترك للتاريخ مثلاً خالداً يتناقله الأجيال: «جزاء سِنِمَّار».
مَن هو سِنِمَّار؟ ولماذا اشتهرت مأساته؟

 

كان سِنِمَّار مهندساً معمارياً قادماً من بلاد الروم، يحمل في عقله عبقرية هندسية فذة. استدعاه ملك الحيرة، النعمان، ليبني له قصراً لا مثيل له في الأرض. وضع سِنِمَّار عصارة فكره وروحه في هذا البناء، حتى خرج الخوَرنق آية في الجمال والمنعة.

 

وتقول الروايات إن سِنِمَّار، في لحظة فخر واعتزاز بوفائه وإتقانه، قال للملك: “لو علمت أنك توفيني أجري، لبنيت لك قصراً يدور مع الشمس حيثما دارت”. وفي رواية أخرى، كشف للملك عن وجود “آجرة” (حجر سرّي) في القصر، إذا نُزعت انهار البناء كله، وأنه الوحيد الذي يعرف مكانها.

 

هنا، تحركت عقلية الطمع والتوجس في قلب الملك؛ خاف أن يبني سِنِمَّار قصراً أجمل لملك آخر، أو أن يفشي سر الحجر المفقود، فأمر بإلقائه من فوق شاهق. لم يشتهر سِنِمَّار لمجرد أنه مات، بل لأن مقتله صار الرمز الأسمى لغدر المخدوم بالخادم، وخيانة القوة للأمانة.

 

سِنِمَّار في زمننا الحالي: وجوه مألوفة في طاحونة الجحود

إذا التفتنا حولنا اليوم، سنجد أن قصة سِنِمَّار لم تنتهِ بسقوطه من قصر الخوَرنق، بل إنها تتكرر كل يوم بصور شتى. كم من سِنِمَّار يعيش بيننا ونكتشفه بعد فوات الأوان؟

 

* في بيئات العمل: هو ذلك الموظف المخلص الذي أمضى سنوات عمره يبني مجد مؤسسته، يسهر الليالي، ويقدم الحلول المبتكرة، حتى إذا ما اعتلت المؤسسة القمة واستغنت عن أفكاره، وجد نفسه مطروداً أو مُستبدلاً بآخر لم يضع حجراً واحداً في هذا البناء.

 

* في العلاقات الإنسانية: هو الصديق الذي كان سنداً في الملمات، وبئراً للأسرار، وممهداً لطرقات نجاح الآخرين، وحين اشتد ساعد أولئك الأصدقاء، رموه من شاهق النسيان والإقصاء.

* في الأسرة: هما الأب والأم اللذان يفنيان شبابهما وصحتهما لبناء مستقيل أبنائهم، فإذا ما استوى الأبناء ملوكاً في بيوتهم، تركوا آباءهم في زوايا العزلة أو دور الرعاية.

 

إننا نعيش في زمن يعاني أحياناً من تنامي “ثقافة المنفعة المؤقتة”، حيث يُقاس الإنسان بما يمكن أن يقدمه الآن، فإذا انتهت صلاحية حاجتنا إليه، ألقينا به كما أُلقي سِنِمَّار.

 

 مَن هو رمز الوفاء في يومنا هذا؟

 

في مقابل هذا الجحود المظلم، لا بد للنور أن يشرق. إذا كان سِنِمَّار هو رمز العطاء الذي قوبل بنكران الجميل، فمَن هو رمز الوفاء والطيبة في يومنا هذا؟

إن رمز الوفاء اليوم ليس شخصية تاريخية أو أسطورة تُحكى، بل هو «الإنسان الأصيل» الذي يملك شجاعة الاعتراف بالفضل.

 

* رمز الوفاء هو القائد الذي ينسب النجاح لفريقه ويحمي أكتافهم.

* رمز الوفاء هو الابن البار الذي يرى في تجاعيد يدي والده قصر الخوَرنق الحقيقي الذي يجب أن يُصان.

* رمز الوفاء هو المجتمع الذي لا ينسى مبدعيه، وعلمائه، وأطبائه، ومن قدموا حيواتهم لرفعة الأوطان، فيكرمهم في حياتهم قبل مماتهم.

 

الوفاء اليوم هو عملة نادرة، لكنه يظهر في تلك النفوس الطيبة التي تؤمن بأن “صنائع المعروف تقي مصارع السوء”، وأن الكلمة الطيبة والشكر هما الأجر الأدنى الذي يستحقه كل من بنى لنا في حياتنا جداراً أو رمم في نفوسنا انكساراً.

 

خاتمة: دعوة لتحطيم لعنة النعمان

إن قصة سِنِمَّار ليست مجرد مرثية للماضي، بل هي تحذير للحاضر. إذا استمر المجتمع في مكافأة المخلصين بالجحود، سينتهي بنا المطاف في عالم بلا مهندسين، بلا مبدعين، وبلا أوفياء؛ عالم يخاف فيه كل ذي موهبة أن يتقن عمله لئلا يُرمى من أعلاه.

لنكسر هذه اللعنة، ولنكن نحن اليد التي تلتقط سِنِمَّار قبل أن يسقط، ولنجعل من الوفاء ونشر الفضل ثقافة يومية، حتى يبقى للإتقان صوته، وللطيبة مكانها الآمن تحت الشمس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى