إفريقي ومغاربيالأخبارتقارير ودراسات

ترحيلات ترامب إلى «دول ثالثة» تحت المجهر الأممي..23 ألف مهاجر في 29 دولة

23 ألف مهاجر في 29 دولة ومخاوف من انتهاكات في إفريقيا

(الصدى – تقارير دولية)-  تصاعد الجدل الدولي حول سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخاصة بترحيل مهاجرين إلى دول ثالثة، بعدما دعا أكثر من عشرة خبراء مستقلين في مجال حقوق الإنسان تابعين للأمم المتحدة واشنطن إلى وقف هذه السياسة، محذرين من مخاطر التعذيب والاضطهاد وسلسلة من الانتهاكات التي قد يتعرض لها المرحّلون في البلدان التي تستقبلهم.

 

وتأتي الدعوة الأممية في وقت تحولت فيه سياسة «الدول الثالثة» إلى أحد أبرز أدوات إدارة ترامب في تنفيذ برنامجها لتشديد إجراءات الهجرة والترحيل، فيما تكشف تقارير متلاحقة لوكالة «رويترز» عن توسع الاتفاقات الأميركية مع دول إفريقية لاستقبال مهاجرين لا تستطيع واشنطن إعادتهم بصورة قانونية إلى بلدانهم الأصلية.

 

وبحسب الخبراء الأمميين، فقد جرى ترحيل ما لا يقل عن 23 ألف مواطن من دول ثالثة إلى 29 دولة وإقليماً في إطار هذه السياسة، بينما قالت جماعات حقوقية إن بعض المرحّلين كانوا قد حصلوا أصلاً على حماية قضائية من إعادتهم إلى بلدانهم، بعدما خلص قضاة هجرة أميركيون إلى احتمال تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة هناك.

 

من الترحيل المباشر إلى «الدولة الثالثة»

 

تقوم الفكرة على ترحيل أشخاص من الولايات المتحدة إلى بلد غير بلدهم الأصلي، عندما يتعذر على واشنطن إعادتهم إلى دولهم الأصلية لأسباب قانونية، أو بسبب مخاطر الاضطهاد أو التعذيب التي قد تواجههم هناك.

 

وقد وسعت إدارة ترامب، منذ عودتها إلى السلطة، نطاق الاتفاقات مع حكومات أجنبية لاستقبال هؤلاء الأشخاص، وأصبحت إفريقيا إحدى الساحات الرئيسية لتنفيذ هذه السياسة.

 

وتشير «رويترز» إلى أن الولايات المتحدة أبرمت ترتيبات مع دول إفريقية عدة، من بينها ليبيريا، غانا، الكاميرون، سيراليون، جمهورية الكونغو الديمقراطية، جمهورية إفريقيا الوسطى، وغينيا الاستوائية.

 

وفي أغسطس الماضي، أعلنت ليبيريا موافقتها على استقبال ما يصل إلى 1200 مرحّل من دول ثالثة خلال عام واحد، على أن تبدأ العملية بمجموعة أولى من 20 شخصاً. وقالت الحكومة الليبيرية إن المرحّلين سيُعاملون بوصفهم «ضيوفاً»، وسيكون بإمكانهم طلب اللجوء في البلاد.

 

وأكدت مونروفيا أن الاتفاق لا يمثل صفقة مقايضة مع واشنطن، لكنها أقرت بأن الولايات المتحدة ستقدم دعماً لمساعدة ليبيريا في إدارة البرنامج وتعزيز نظام الهجرة لديها.

 

من ليبيريا إلى غينيا الاستوائية

 

لكن تنفيذ الاتفاق الليبيري كشف سريعاً عن تعقيدات السياسة الجديدة، ففي أغسطس، رفض خمسة مرحّلين النزول من الطائرة بعد وصولها إلى العاصمة مونروفيا، اعتراضاً على ترحيلهم إلى ليبيريا ومخاوف تتعلق بسلامتهم.

 

ووفق مصادر تحدثت إلى «رويترز»، أُبلغ الأشخاص الخمسة بأنهم سيعودون إلى الولايات المتحدة، قبل أن تتجه الطائرة بدلاً من ذلك إلى مالابو في غينيا الاستوائية، حيث أُجبروا على النزول.

 

وضمت المجموعة ثلاثة كوبيين وبرازيلياً وكاميرونية، لتنضم إلى عشرات آخرين من المرحّلين الذين كانوا محتجزين في فندق مهجور بالعاصمة مالابو.

 

وقالت مصادر لـ«رويترز» في ذلك الوقت إن نحو 40 مرحّلاً كانوا محتجزين في الموقع، وسط تقارير عن ضعف الرعاية الطبية وضغوط نفسية وحرمان من المساعدة القانونية.

 

وتدافع واشنطن عن هذه السياسة باعتبارها أداة قانونية ضرورية لتنفيذ قرارات الترحيل، بينما تقول جماعات حقوقية إن الاتفاقات تفتقر إلى الشفافية، وإن بعض المرحّلين قد ينتهي بهم الأمر إلى الإعادة إلى البلدان التي فروا منها أصلاً.

 

حادثة الأسلحة في مالابو

 

وتحولت غينيا الاستوائية لاحقاً إلى إحدى أبرز بؤر الجدل حول السياسة الأميركية، ففي سبتمبر الحالي، قالت مصادر وشهود لـ«رويترز» إن قوات أمن في غينيا الاستوائية أشهرَت أسلحة في وجه مهاجرين مرحّلين من الولايات المتحدة خلال مشادة داخل الفندق الذي يحتجزون فيه، فيما أظهرت لقطات مصورة الحادثة.

 

وبعد أيام، احتجزت السلطات المصرية أحمد سليمان، وهو أحد المرحّلين الذين تحدثوا علناً عن ظروف احتجازهم وانتقدوا أسلوب تعامل قوات الأمن. وقال محاميه إن سليمان اقتيد إلى الحجز وظل محتجزاً بمعزل عن العالم الخارجي، فيما لم تقدم حكومة غينيا الاستوائية رداً على أسئلة «رويترز» بشأن وضعه.

 

وأفادت «رويترز» بأن قوات الأمن صادرت هواتف عدد من المرحّلين، وأن محامي سليمان قال إن السلطات ربطت عملية المصادرة بتقرير الوكالة حول حادثة إشهار الأسلحة.

 

القضاء الأميركي يدخل على الخط

 

وفي موازاة الجدل الحقوقي، تخوض الإدارة الأميركية معركة قانونية بشأن شرعية سياسة الترحيل إلى دول ثالثة.

 

ففي 24 سبتمبر، طلبت إدارة ترامب من المحكمة العليا الأميركية السماح لها بمواصلة ترحيل مهاجرين إلى دول ثالثة من دون منحهم في بعض الحالات فرصة مسبقة لعرض المخاطر التي قد يواجهونها في تلك البلدان.

 

وجاء الطلب بعد أن أيدت محكمة استئناف حكماً قضائياً اعتبر سياسة وزارة الأمن الداخلي غير قانونية، في قضية بدأت عام 2025 عندما طعنت جماعات حقوق المهاجرين في إجراءات ترحيل أشخاص إلى دول ثالثة دون إشعارهم ومنحهم فرصة للطعن على أساس مخاطر التعذيب أو الاضطهاد.

وتقول الإدارة الأميركية إن السياسة ضرورية لإبعاد مهاجرين لا تستطيع بلدانهم الأصلية استقبالهم، وإنها تستند إلى القانون الأميركي وترتيبات دبلوماسية مع الدول المستقبلة.

أما خصومها فيرون أن المشكلة الأساسية تكمن في إمكانية نقل أشخاص سبق أن حصلوا على حماية قانونية من الإعادة إلى بلدانهم إلى دول أخرى من دون ضمانات كافية بشأن سلامتهم أو حقوقهم القانونية.

الأمم المتحدة: المخاطر لم تعد «افتراضية»

وفي أحدث تطور، وجه أكثر من عشرة خبراء أمميين مستقلين مراسلة إلى الحكومة الأميركية وإلى حكومات 35 دولة وإقليماً قالوا إنها أبرمت اتفاقات مع واشنطن لاستقبال مرحّلين.

وحذر الخبراء من أن الأضرار الناجمة عن هذه السياسة لم تعد، وفق تقييمهم، مجرد مخاطر نظرية، مشيرين إلى احتمال حدوث «سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان».

وحدد الخبراء فئات قالوا إنها معرضة بصورة خاصة للخطر، بينها الأطفال والنساء والأشخاص ذوو الإعاقة وضحايا الاتجار بالبشر والأشخاص من مجتمع الميم والمدافعون عن حقوق الإنسان وعديمو الجنسية وغيرهم من الأشخاص في أوضاع شديدة الهشاشة.

ولم ترد البعثة الدبلوماسية الأميركية لدى الأمم المتحدة في جنيف فوراً على طلب للتعليق على المراسلة.

إفريقيا في قلب التحول

تكشف هذه التطورات أن سياسة ترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة لم تعد شأناً أميركياً داخلياً محضاً، بل تحولت إلى ملف له امتدادات إفريقية ودولية متزايدة.

فالدول التي وافقت على استقبال المرحّلين تجد نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين التعاون مع واشنطن، والحصول على دعم في مجالات الهجرة أو التنمية، وبين مسؤولياتها القانونية والإنسانية تجاه الأشخاص الذين تستقبلهم.

وفي المقابل، تواجه الإدارة الأميركية ضغوطاً متزايدة من القضاء الأميركي والمنظمات الحقوقية والخبراء الأمميين بشأن الضمانات التي تسبق عمليات الترحيل.

ويبقى السؤال المركزي الذي تطرحه القضية: إلى أي حد يمكن لدولة أن تنقل مسؤولية ترحيل شخص إلى دولة ثالثة من دون أن تنتقل معها المسؤولية عن سلامته وحقوقه؟

وبينما تتمسك إدارة ترامب بشرعية سياستها وضرورتها لتنفيذ برنامجها في مجال الهجرة، يتسع نطاق التدقيق القضائي والحقوقي في كيفية تنفيذها، خصوصاً في الحالات التي يكون فيها المرحّل قد حصل سابقاً على حماية من العودة إلى بلده الأصلي.

وتشير التطورات المتلاحقة في ليبيريا وغينيا الاستوائية وغيرها إلى أن الاختبار لم يعد متعلقاً بالاتفاقات الموقعة بين الحكومات فقط، وإنما بما يحدث فعلياً للأشخاص بعد أن تطأ أقدامهم أراضي «الدولة الثالثة».

 

رويترز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى