صباح الأحمد شيخ الدبلوماسية و أميرالإنسانية.. قلبٌ يتسع للأمة وحكمةٌ تعلو فوق السياسة / كتب : ا.د كريم فرمان

في التاسع والعشرين من سبتمبر2020 تقف الأمة العربية بأسرها، وتلتفت بقلوب ملؤها الوفاء والإجلال، لتستذكر قامة تاريخية استثنائية فارقت دنيانا، لكنها لم تفارق وجدان الشعوب. إنه الراحل الكبير، صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، طيب الله ثراه، “أمير الإنسانية” وشيخ الدبلوماسية العربية، ونجم المحافل الدولية البارق، الذي كان حالة فريدة في القيادة؛ قلبٌ نابض بالحب لا مكان فيه لذرة حقد أو كراهية، وعقلٌ راجح ينتصر دوماً بحلم معاوية وذكاء وعمق عمرو بن العاص.
لم تكن القيادة لديه مجرد منصب أو إدارة دولة، بل كانت رسالة أخلاقية وأبوية امتدت لتشمل القريب والبعيد. ومن يدقق في مسيرته الطويلة، يدرك أن قوة هذا الرجل كانت تكمن في بساطته العجيبة، وتواضع الكبار الذي يملك القلوب قبل العقول، ولمسته الإنسانية اللماحة التي تخترق كل الحواجز والبروتوكولات الجافة.
تتجلى هذه العظمة الإنسانية في ثنايا مواقف شخصية يرويها من اقتربوا منه في أصعب الظروف التاريخية. ففي سنوات الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حين كان يزور بغداد حاملاً هموم المنطقة، تعرفت اليه حينما كنت اشغل وظيفة سامية في رئاسة الجمهورية العراقية آنذاك رجلاً بسيطاً، متواضعاً، ولماحاً، تسبقه ابتسامته الصادقة قبل الكلمات. ودارت الأيام دورتها المتسارعة، وعصفت بالمنطقة تداعيات الغزو الأليم وما رافقه من مرارة وشروخ سياسية عميقة. وفي عام 1994، وبينما كانت الجراح السياسية لم تندمل بعد، كنت اعمل أستاذا للقانون في جامعة محمد الخامس بالرباط، وكان الشيخ صباح – وكان وقتها نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية – ينزل كعادته في فندق “حياة ريجنسي” القريب من حي “أكدال”.
وفي مساء أحد الأيام، وسط حديقة الفندق الغناء، دلف الشيخ صباح من الباب الرئيسي يسير خلفه مرافقه الشاب الأسمر. وحين رايته أردت تغيير اتجاهي صوب زاوية المحلات تلافياً لأي حرج قد تفرضه ظروف تلك المرحلة السياسية المعقدة، لكن عين الشيخ الذكية واللماحة. لم يتردد، ولم يتجاهل، بل نادى بصوته الأبوي الدافئ ضاحكاً: “أين تهرب مني يا دكتور؟”.
غمر المكان بلطفه، واحتضنني بحرارة معيداً صياغة العلاقات بروح عربية أصيلة قائلًا كلمته الخالدة: “مهما حصل، نحن خال وابن أخت، وصلاتنا الإنسانية فوق اعتبارات السياسة وتقلباتها”.
هذه هي مدرسة صباح الأحمد؛ المدرسة التي تؤمن بأن السياسة تتبدل وتقبل الخلاف، لكن الروابط الإنسانية والعروبية مقدسة لا مساس بها. وظل رحمه الله مخلصاً لهذه الروح؛ فكلما زار المغرب في مهمة عمل، يحرص رحمه الله على دعوتي إلى العشاء، وعندما حاولت يوماً رد الدعوات المتكررة له في مطعم دار ناجي التراثي بالرباط، قال الشيخ بابتسامته المعهودة: “خليها للمستقبل”. ورغم أن المسؤوليات ثقلت لاحقاً وأصبح أميراً لبلاده، إلا أنه لم ينسَ أحداً، ولم يغيره الكرسي، بل بقي كبيراً بأريحيته وطيبته النادرة، وأميراً للإنسانية بحق.
ولم تكن تلك النزعة الإنسانية المنفتحة سوى انعكاس لعقيدته الراسخة في السياسة الخارجية؛ إذ آمن رحمه الله بأن الحوار هو السبيل الوحيد لرأب الصدع وتصفير الأزمات. ويشهد التاريخ العربي والإقليمي على بصمات “عميد الدبلوماسية” في إطفاء حرائق الأشقاء؛ ففي الشأن اليمني، امتدت مساعيه البيضاء لعقود، منذ جهوده المبكرة لحل النزاعات بين شطري اليمن في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ووساطته الشهيرة بين سلطنة عُمان واليمن الجنوبي في ثمانينيات القرن الماضي والتي تكلّلت باتفاق تاريخي وُقع في الكويت عام 1982، وصولاً إلى استضافة الكويت للمشاورات السياسية الكبرى عام 2016 لإنقاذ اليمن وجمع فرقائه على طاولة واحدة إيماناً منه بأنه لا حل إلا بالمسار السياسي السلمي.
أما في البيت الخليجي، فقد تجسد الشيخ صباح كصمام أمان حقيقي و”الموازن الأكبر” للمنطقة. وحين عصفت أزمة عام 2017 بكيان مجلس التعاون الخليجي، تحرك الأمير الراحل – رغم تقدم سنه وعظم الضغوط السياسية – بجهود ماراثونية مضنية دافع فيها دون كلل عن تماسك الكيان. ولم يهدأ له بال وهو يحذر من مخاطر التصعيد، متمسكاً برؤية أبوية حكيمة ترى أن ما يجمع الأشقاء من روابط الدم والمصير أقوى من أي عاصفة عابرة. وبفضل هذه السيرة الممتدة على مدى ستة عقود من العطاء الإنساني، استحق بجدارة تكريم الأمم المتحدة بلقب “قائد للعمل الإنساني”، لتصبح الكويت في عهده عاصمة حقيقية للإغاثة والسلام.
وفي ايلول الأسود 1970 تحرك بين المتقاتلين في شوارع عمان بين الفدائيين والجيش الاردني مثلما حوصر في بيروت ابان الحرب الأهلية اللبنانية سعيا وراء اطفاء النيران ولا انسى عبارته في نقاش معه بأن وزراء الخارجية يشبهون رجال اطفاء الحرائق!!

إن هذه الحوادث التاريخية والمواقف الإنسانية الخالدة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الشيخ صباح الأحمد لم يكن مجرد رجل سياسة، بل كان مهندس العاطفة القومية والصلات الإنسانية التي لا تفتتها تقلبات الأيام. لقد أثبت للعالم أجمع أن القوة الحقيقية لا تكمن في الجفاء والمقاطعة، بل في المقدرة العجيبة على احتواء الجميع، وفي الذكاء اللماح الذي يحول الخصومة إلى عناق أخوي. إنها الدروس والعبر التي صاغها بأسلوب حياته، لتبقى ذكراه في التاسع والعشرين من سبتمبر تذكيراً حياً للأمة بأن الإنسانية والطيبة والترفع عن الأحقاد هي الحصن الحصين الذي يحمي الأوطان ويبني الأمجاد، ورحم الله الأمير صباح الأحمد، فكم كان كبيراً بحلمه، وعظيماً بإرثه الذي لا يموت.




