القمة الروسية الأفريقية الثالثة.. هل تعيد أفريقيا صياغة موقعها في النظام الدولي؟ / إدريس أحميد
تتناول القمة الروسية الأفريقية الثالثة فرص تعزيز الشراكة بين موسكو والدول الأفريقية في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي وتزايد التنافس على ثروات القارة. وتؤكد أهمية استثمار الموارد الطبيعية في التنمية والتصنيع ونقل التكنولوجيا، بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام. كما تبرز ضرورة معالجة التحديات الأمنية والاقتصادية، وتعزيز دور الاتحاد الأفريقي في توحيد المواقف وحماية المصالح المشتركة. ويبقى نجاح القمة مرهونًا بتحويل الاتفاقات إلى مشروعات ملموسة، بما يعزز استقلال القرار الأفريقي ويمنح القارة دورًا أكبر في صياغة النظام العالمي.

لا تأتي القمة الروسية الأفريقية الثالثة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026 في ظروف عادية، بل تنعقد في مرحلة يشهد فيها النظام الدولي تحولات متسارعة وإعادة ترتيب لموازين القوى، فيما أصبحت أفريقيا إحدى أهم ساحات التنافس الدولي بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية وأسواقها الواعدة.
ولا تتعلق أهمية القمة بمستقبل العلاقات الروسية الأفريقية فحسب، بل تفتح نقاشًا أوسع حول قدرة القارة على استثمار إمكاناتها، وتحديد موقعها في النظام الدولي الجديد.
روسيا وأفريقيا.. علاقات قديمة ومصالح متجددة
تعود العلاقات الروسية الأفريقية إلى الحقبة السوفيتية، حين دعمت موسكو حركات التحرر والاستقلال في عدد من الدول الأفريقية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. واليوم تسعى روسيا إلى تعزيز حضورها من خلال التعاون في مجالات الطاقة والزراعة والتعدين والصناعة والتعليم والصحة والطاقة النووية والأمن.
وقد ركز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كلمته أمام القمة على سيادة الدول الأفريقية وحقها في اختيار مسارات التنمية بعيدًا عن الضغوط الخارجية، داعيًا إلى إصلاح المؤسسات المالية الدولية وزيادة مشاركة الدول النامية في صنع القرار.
وتجد هذه الرسائل صدى لدى دول أفريقية تسعى إلى تنويع شراكاتها وتقليل الاعتماد على طرف دولي واحد. لكن روسيا، مثل غيرها من القوى الكبرى، تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية، ولذلك فإن تقييم دورها يجب أن يستند إلى نتائج التعاون ومصالح الطرفين، لا إلى الخطاب السياسي وحده.
أفريقيا.. ثروة هائلة وسؤال التنمية
تمتلك أفريقيا ثروات استراتيجية ضخمة تشمل الذهب والماس والبلاتين والمنغنيز والنحاس والمعادن النادرة، إضافة إلى النفط والغاز والأراضي الزراعية الواسعة والثروة الحيوانية. وتمنح هذه الموارد القارة أهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي، خصوصًا مع تصاعد الطلب على المعادن اللازمة للصناعات المتقدمة والتحول في قطاع الطاقة.
لكن المفارقة أن هذه الإمكانات لم تتحول بعد إلى تنمية تتناسب مع حجمها؛ فما زالت دول أفريقية كثيرة تعاني الفقر والبطالة وضعف البنية التحتية والصراعات.
ولا يمكن تفسير هذا الواقع بالعوامل الخارجية وحدها. فالإرث الاستعماري، والديون، وهيمنة بعض المصالح والشركات الأجنبية على قطاعات اقتصادية مهمة، كلها عوامل أثرت في مسار التنمية. وفي المقابل، أسهم الفساد وضعف المؤسسات والتعليم والانقسامات السياسية وسوء الإدارة في إهدار فرص كبيرة.
كما أن استمرار تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة يحرم اقتصادات أفريقية من جانب مهم من القيمة المضافة وفرص العمل.
التنافس الدولي.. فرصة لأفريقيا أم ساحة للصراع؟
من المتوقع أن يتزايد التنافس الدولي على أفريقيا في السنوات المقبلة، مع احتدام المنافسة على الطاقة والمعادن الاستراتيجية والأسواق وسلاسل الإمداد. وتتصدر هذا المشهد الولايات المتحدة والدول الغربية من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، إلى جانب قوى دولية وإقليمية أخرى.
وقد توسعت الصين في علاقاتها الاقتصادية مع القارة، بينما تسعى روسيا إلى تعزيز حضورها السياسي والأمني والاقتصادي، وتعمل الولايات المتحدة وأوروبا على حماية مصالحهما ونفوذهما.
وفي هذا السياق، يمثل نمو العلاقات التجارية الروسية الأفريقية مؤشرًا مهمًا. فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين الجانبين من نحو 17.9 مليار دولار عام 2022 إلى قرابة 27.1 مليار دولار عام 2025، وفقًا لبعض التقديرات المنشورة، فيما تورد مصادر أخرى أرقامًا أعلى قليلًا.
ويؤكد هذا النمو اتساع العلاقات، لكنه لا يلغي الفارق الكبير بين حجم التجارة الروسية الأفريقية وحجم تجارة القارة مع الصين والاتحاد الأوروبي.
ويمكن للتعاون مع روسيا والصين ومجموعة بريكس أن يوسع الخيارات المتاحة أمام الدول الأفريقية، مثلما يمكن للعلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة وغيرها أن توفر فرصًا اقتصادية وتقنية. والمهم ألا تستبدل القارة تبعية بأخرى، بل أن تبني علاقات قائمة على المصالح المتبادلة واحترام السيادة.
الساحل والصحراء والهجرة.. أزمات مترابطة
لا يمكن الحديث عن مستقبل أفريقيا دون التوقف عند الأوضاع الأمنية، خصوصًا في منطقة الساحل والصحراء، حيث تواجه دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر تحديات الإرهاب والجماعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي.
وقد عززت روسيا تعاونها الأمني مع هذه الدول في ظل تراجع علاقاتها مع بعض القوى الغربية. لكن التجارب تؤكد أن المواجهة العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء الأزمات؛ فالأمن المستدام يحتاج إلى دولة فاعلة، وتعليم، وخدمات، وفرص عمل، وتنمية محلية تقلل من أسباب التطرف والصراع.
وترتبط هذه الأزمات أيضًا بظاهرة الهجرة غير النظامية التي تنظر إليها أوروبا بدرجة كبيرة من زاوية أمن الحدود. غير أن جذورها تمتد إلى الفقر والبطالة والنزاعات وضعف فرص الحياة الكريمة.
الاتحاد الأفريقي.. ضرورة توحيد الإرادة
يمثل الاتحاد الأفريقي الإطار الأهم لتنسيق المواقف والدفاع عن المصالح المشتركة، لكنه يواجه خلافات سياسية ومصالح متباينة وصراعات داخلية تحد من قدرته على التحرك كقوة موحدة.
ومع ذلك، فإن المطلوب هو تطوير الاتحاد وتعزيز قدرته على تنسيق السياسات الاقتصادية والأمنية، وتوسيع التجارة البينية، وربط الاقتصادات الأفريقية، وبناء شراكات جماعية أكثر فاعلية مع القوى الدولية.
كما تحتاج أفريقيا إلى دور أكبر في مؤسسات النظام الدولي، وفي مقدمتها مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية العالمية. فقارة تضم أكثر من خمسين دولة وتمتلك ثروات وإمكانات بشرية هائلة تستحق تمثيلًا أكثر عدالة يعكس وزنها الحقيقي.
ويمكن للتنسيق مع روسيا والصين ومجموعة بريكس أن يفتح مساحات جديدة أمام الدول الأفريقية، لكن نجاح أي توجه جماعي يظل مرهونًا بقدرة الأفارقة على تجاوز خلافاتهم وصياغة أولويات مشتركة، لا بمجرد التقارب مع قوى دولية أخرى.
ماذا يمكن أن تحقق القمة؟
تتوقف الأهمية الحقيقية للقمة الروسية الأفريقية الثالثة على ما ستنتجه من اتفاقات قابلة للتنفيذ في التجارة والاستثمار والطاقة والزراعة والأمن الغذائي والصناعة والتكنولوجيا والتعليم والصحة والبنية التحتية.
فزيادة التبادل التجاري خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. المطلوب أن تتحول العلاقات إلى مشروعات إنتاجية، ونقل للتكنولوجيا، وتدريب للكوادر، وتطوير للزراعة والصناعة، وخلق فرص عمل، بما يعزز قدرة الدول الأفريقية على الاعتماد على إمكاناتها.
كما ينبغي تقييم التعاون الأمني من خلال أثره الفعلي في الاستقرار، لا من خلال الاتفاقات والتصريحات فقط. فنجاح الشراكة يقاس بما تضيفه إلى حياة المواطن وقدرة الدولة على مواجهة أزماتها.
أفريقيا أمام فرصة تاريخية
نعتقد أن أفريقيا تقف أمام فرصة مهمة لإعادة صياغة موقعها في العالم، في ظل التنافس المتزايد على مواردها وأسواقها وأهميتها الاستراتيجية. لكن النجاح لن يتحقق بمجرد اختيار شريك دولي على حساب آخر، بل بامتلاك رؤية أفريقية مستقلة قادرة على التعامل مع الجميع وفق المصالح المتبادلة.
إن استقلال الإرادة لا يعني العزلة أو رفض التعاون الخارجي، وإنما يعني أن تمتلك الدول قرارها، وتحمي مواردها، وتحدد أولوياتها التنموية، وتستثمر في الإنسان، وتبني مؤسسات قوية واقتصادًا منتجًا.
والقمة الروسية الأفريقية الثالثة يمكن أن تكون محطة مهمة في هذا المسار، لكنها لن تحل وحدها أزمات القارة. فالمعركة الحقيقية تبدأ من الداخل: بناء الدولة، ومكافحة الفساد، وتطوير التعليم، وإنهاء الصراعات، وتوحيد المواقف، وتحويل الثروات إلى تنمية.





