الأخبارالصدى الثقافي

رواية “خضوع” لعبد الله زايد …  تفتح ملف الرهاب وألم الاغتراب داخل الأسرة والمجتمع

تضع الرواية العربية في مصاف السرديات العالمية ويستحضر عوالم كافكا

صورة غلاف راوية خضوع

مقدمة المحرر:

تفتح رواية «خضوع» للكاتب عبد الله زايد نافذة سردية على العوالم النفسية المعقدة للإنسان، حين يجد نفسه غريباً داخل أسرته ومجتمعه، عاجزاً عن إيصال حقيقة مشاعره وأفكاره إلى محيط لا يحسن فهم اختلافه. ومن خلال شخصية «كنان»، الصحفي والكاتب الذي تتقاطع في حياته تجارب الاغتراب الأسري والاجتماعي والمهني، ينسج المؤلف عملاً روائياً يتجاوز الحكاية الفردية إلى مساءلة الأحكام المسبقة، وكشف الجروح الخفية التي يخلفها سوء الفهم، حين يتحول الاختلاف إلى مصدر للعزلة والألم. وفي قراءة نقدية معمقة، يتوقف الناقد والأكاديمي المغربي الدكتور عادل العناز عند الأبعاد النفسية والفكرية والجمالية للرواية، مستجلياً قدرتها على المزج بين المأساة والفكاهة السوداء، واستحضار بعض العوالم الكافكوية، مع الاحتفاظ بخصوصيتها السردية والإنسانية. وتبرز هذه القراءة الجهد الإبداعي الذي بذله عبد الله زايد في تحويل تجربة الرهاب والاغتراب إلى مادة أدبية تطرح أسئلة جوهرية عن الحب والتفهم والكرامة الإنسانية، فيما يقدم العناز مقاربة نقدية تستكشف ما وراء الحكاية من دلالات، وتضيء رسالة الرواية الأساسية: أن المأساة لا تنشأ دائماً من قسوة الآخرين، بل قد تتولد من عجزهم عن فهم من يعيشون معهم.

بقلم :الناقد المغربي الدكتور عادل العناز:

قرأ الناقد والأكاديمي المغربي الدكتور عادل العناز رواية “خضوع” للكاتب عبد الله زايد، قراءة نقدية، ووصفها بأنها “عمل روائي عربي فريد” يقف بجوار أرقى التجارب الروائية. وأنها تتناول بجرأة وعمق موضوع الرهاب والتفكير القهري، وما يجرّه سوء فهم المحيط لهما من عزلة وجروح نفسية.

صدرت الرواية سنة 2026 عن “التفرّد” في 360 صفحة، وتضم ثمانية وعشرين فصلاً. تبدأ بمقتبس للمتصوف شمس الدين التبريزي، يليه إهداء غير مألوف من المؤلف إلى “أعراض الرهاب” التي عانى منها.

 

تتبع الرواية سيرة كنان، وهو صحفي وكاتب، يجد نفسه غريباً داخل محيطه الأسري والاجتماعي والمهني رغم التضحيات التي يقدمها، بسبب عفويته وطريقة تفكيره وسلوكه الذي لا يفهمه من حوله. تنتقل الأحداث بين المزرعة والمدينة، ثم إلى غربته في بلد آخر بعد أن طردته زوجته الثرية “مضاوي” لأنها رفضت كتاباته الفكرية، لا بسبب خيانة. يعيش “كنان” بعدها موظفاً مؤقتاً في غرفة حارس موقف تابع لإحدى الشركات، ويشتاق إلى أطفاله ووالديه، إلى أن تنقذه خبرته في الإدارة حين ينجح في إنقاذ شركة ميثاء من الإفلاس.

 

الدكتور عادل العناز أستاذ للتعليم العالي في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس في المملكة المغربية، وباحث في التأويليات والمناهج النقدية المعاصرة. حاز جائزة الشارقة للإبداع العربي في فرع النقد وجائزة تكوين للقارئ العربي، وله مؤلفات في نقد الرواية واستراتيجيات الثقافة، ودراسات محكّمة في مجلات عربية ودولية

يرى الدكتور العناز، أن قيمة النص لا تقوم على حبكته بقدر ما تقوم على “التصوير المُلهم لأدق الخدوش الداخلية” التي تتركها العلاقات الإنسانية داخل الأسرة والمجتمع. ويقول إن الرواية تعبّر عن أزمة شريحة واسعة من الناس تُتّهم ظلماً بالتكبر والعُقد، من دون أن يدرك أحد رهافة دواخلها. كما يرى أن العمل ابتعد عن السرد التقليدي واعتمد على البوح الذاتي الدرامي لنفسٍ “بريئة ومعطوبة” تحاول أن تشرح للعالم لماذا تبدو غريبة عنه.

 

ويلفت الناقد إلى أن الكاتب مزج المأساة بشيء من “الفكاهة السوداء” التي تُضحك القارئ وتنبّهه في الوقت نفسه إلى أعطاب المجتمع. ويشير أيضاً إلى نقد ضمني لبعض الأعراف التي يدفع ثمنها أطفال أبرياء، كما في قصة امرأة ثرية تودِع ابنها داراً للأيتام خوفاً من العار.

 

ومن المقاطع التي توقفت عندها القراءة قول “كنان”: “تعلمت كيف أقترب من الناس بعض الوقت، لكنني لم أتعلم أن أظل قريباً منهم دائماً”، وقوله: “الحب أسمى من المال؛ لأن المال يمكن أن نناله بالعمل والتخطيط، لكن الحب لا يمكن أن نحظى به بالتخطيط”.

 

يعقد الدكتور العناز، مقارنة بين تجربة عبد الله زايد وتجربة فرانز كافكا، ويرى بينهما “علاقة وطيدة ومتكافئة”، ويستحضر “رسالة إلى الوالد” التي عاتب فيها كافكا جفاء أبيه. لكنه يلاحظ أن زايد، لا يحمّل اللوم للأب، أو الأم، أو الإخوة، أو الزوجة، بل يدين “مأساوية عدم الفهم والتفهّم” التي يرى أنها أصل الأزمات داخل الأسرة والمجتمع والمؤسسات.

 

ويختم الناقد قراءته بأسئلة تتركها الرواية مفتوحة: “هل كان كنان ساذجاً؟ أم كان الوحيد الذي رأى الحقيقة عارية؟ وهل الخضوع، في النهاية، خضوعٌ للآخرين، أم خضوعٌ لذاك الطفل المختبئ داخلنا الذي لا يكف عن الرهاب؟”.

 

يُذكر أن الدكتور عادل العناز أستاذ للتعليم العالي في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس في المملكة المغربية، وباحث في التأويليات والمناهج النقدية المعاصرة. حاز جائزة الشارقة للإبداع العربي في فرع النقد وجائزة تكوين للقارئ العربي، وله مؤلفات في نقد الرواية واستراتيجيات الثقافة، ودراسات محكّمة في مجلات عربية ودولية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى