الأخبارالصدى الثقافي

في ذكرى رحيلها الرابعة، لميعة عباس عمارة ،الصديقة ام مازن شاعرة الحنين الى المكان / كتب ا.د كريم فرمان 

المصدر : الكاتب /

عندما اقمت في صنعاء بعيد عام ١٩٩١م جائني صوتها مجلجلا عبر اسلاك الهاتف من بعيد لتهتف من اوصلك الى هذا المكان حيث التاريخ والعروبة يمتزجان ،يبدو أنها عرفت رقم هاتفي الثابت قبل أن يصل الخليوي من قريبها الشاعر والصديق الاستاذ عبد الرزاق عبد الواحد والذي يبدوا انه قد بذل جهدا مع سفير العراق في صنعاء لحل مشكلة واجهت ولدها البكر مازن الكابتن الطيار والذي كان يشتغل في الخطوط الجوية اليمنية بسبب ظروف الحصار على العراق ائنذاك لكنه لم يفلح فقالت لي ممازحة باللهجة العراقية يا معود السفراء ما يحلون مشكلة لاحد فانت يا دليمي لها!! والحمد لله وفقت خلال ايام بحل مشكلة الكابتن مازن.
كانت الشاعرة الكبيرة تواجه بعض صعوبات الحياة في الاغتراب فكتبت يوما رسالة بذلك تطلب بها مقابلة رئيس الجمهورية الرئيس الراحل صدام حسين رحمه الله واوصلتها لها بسرعة والتقته، وعندما خرجت قلت لها بشري خير قالت يا عمي بدات استعرض مشكلاتي وظروفي ابتداءا من الراتب التقاعدي وكتبي ودواويني التي تطبع من غير ان احصل على نفعا ماديا منها الى مشكلات الغربة والى والى فرد علي الرئيس يا استاذة لميعة توقفي انت تحتاجين (نتلة) وباللهجة العراقية تعني انتشال سريع من الواقع المعاش وفعلا كرمها بتعيينها نائب المستشار الثقافي العراقي في باريس ومنحها شقة في بغداد وعون مالي.
كانت لميعة تعطر امسياتها الشعرية احيانا بابيات من الشعر الشعبي المحبب للعراقيين وفي إحدى الامسيات ذكرت بان حضها لم يسعدها يوما في تولي منصب الادارة حيث انها مرة بغياب مديرة الثانوية عينت مديرة لها وكالة ثم في الجامعة التكنولوجية رئيسة قسم اللغة العربية وكالة وفي باريس مستشار ثقافي وكالة..فكتبت ابوذية:

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

اريد اخذ على وكتي وكالة
واضربنه الف كفخة وكالة
قضيت من العمر نصها وكالة….
الادارة اصبحت حسرة عليه 😆 طبعا مفردة ( كالة باللهجة العراقية تعني حذاء رياضي خفيف مصنوع من قماش ).

ومثل هذا انشدت يوما في قاعة الاورفلي ببغداد،
نذرك يا سيد دخيل نوط ابو المية، ،، من افز والقا اهواي غافي على ايديه!!! والنوط هو حزام من ليرات من ذهب،
وسيد ادخيل هذا مقام ديني في جنوب العراق ينذرن له النساء الريفيات النذور عندما يتزوجن بمن يحببن!!

لميعة عمارة الشاعرة التي ارتبطت بحنين قوي يشدها الى الامكنة التي قطنتها او زارتها واحببتها ،فمثلا عندما كرمها لبنان الذي اقامت فيه سنوات جميلة بوسام الأرز فاعتذرت عنه بسبب المعاناة القاسية لشعبه من تداعيات الحرب الأهلية وانشدت ::
على اي صدر احط الوسام
ولبنان جرح بقلبي ينام..
كما أن من يدقق في ديوانها الاخير( انا بدوي دمي ) ان للكويت حصة في هذا الحنين من شعرها :
لي في الكويت احباء وما برحت ،،وشائج الود تدنيهم وتدنيني ،،، ما مر في سحر ذكر لواحدهم، ، الا وندت من الاعماق( يا عيني ).

كما أن العراق وطنها وعشقها الازلي لم يغب يوما عن فؤادها حيثما ارتحلت،
.. بلادي ويملؤني الزهو اني لها انتمي وبها اتباهى… لأن العراقة معنى العراق، ويعني التبغدد عزا وجاها

قال عنها الشاعر العراقي الكبير والراحل عبد الرزاق عبد الواحد لميعة ابنة خالي وانا ابن عمتها لميعة اشعر مني وانا اجزل منها…كانت ذات شخصية قوية وابية!

ومن الطف الوصف لها وصف الشاعر السوري الكبير شوقي بغدادي ( اذا كان نزار قباني شاعر النساء فلميعة شاعرة الرجال ).
اليس هي من قالت تتغزل بالوسامة
ارد انشدك وبحسن نية، محلفك بالله ترد
ربك من صورك كم يوم طيفك نقعه بماي الورد!!!
كان الشاعر الكبير الراحل نزار قباني كلما التقى بلميعة يمازحها( لميعة لا تتعبي نفسك في كتابة الشعر وما عليك إلا ان تروي حكايتك مع السياب وترسمي بغداد في الخمسينات )
ومعلوم ان الشاعرة لميعة ارتبطت بالشاعر بدر شاكر السياب بعلاقة عاطفية خلال دراستهما معا في دار المعلمين العالية ببغداد وقد دعاها السياب لزيارته في قريته جيكور الغافية على نهر بويب في قضاء ابو الخصيب التابع الى البصرة وقد استذكرت لميعة عن هذه الزيارة النادرة بقصيدة فاض منها الحنين بعد وفاة السياب بسنوات بعنوان تحياتي الى البصرة مطلعها .،،
خذي من نشوتي خمرة
ومن عهد الصبا شطره
ومن حبي ومن مرحي
ورشي الليل بالخضرة
ليزهر الف جيكور
يناغي بالهوى بدره !!
وهنا لأول مرة تسميه باسمه مثلما تذكر جيكور قرية السياب في قضاء ابي الخصيب من نواحي مدينة البصرة التي زارتها يوما واستقلت بصحبته قاربا يحرك مجاديفه بدرا نفسه على صفحات نهر بويب :

ويلاحظ القاريء في ديوانها الاخير الذي اصدرته من اخر محطات الاغتراب في سان دييغوا المدينة الوادعة ع ضفة المحيط الهاديء في امريكا وقد زرتها يوما فيها حينما كنت طالبا في مرحلة الدكتوراة في جامعة بنسلفانيا وتقول شوقا وحنينا للعراق القصي وكانها زفرة الشاعرة الأخيرة:
يشوقني في ساندييغوا لك المطر الخفيف،،،
ويسقط كل أوراقي الخريف ،، مجنحة خطاي، الريح دربي ،،ووجهك قبلتي، انى اطوف .

انا بدوي دمي ديوانها الاخير تؤكد فيه انتماءها الى اصالتها العربية وهي من نقلت الشعر العربي من حال إلى حال.
سلاما على روحك الخالدة المعفرة بماء دجلة والعمارة وتراب النهرين والجسر والمنحنى. لروحك المغفرة ايتها الصديقة العظيمة والانسانة الكبيرة والشاعرة التي لا يشق لها غبار، غبت جسدا وخلدت روحا وذكرا لا ينقطع، وهذا المقال ليس إلا لمسة وفاء ألم يقل الشاعر العربي ان بعض من الوفاء ثناء..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى