زهران ممداني.. عمدة مسلم مثير للجدل يغيّر معادلة نيويورك ويربك الترامبية

الصدى – متابعات /
شهدت مدينة نيويورك واحدة من أكثر الانتخابات إثارة منذ عقود، إذ اختار الناخبون عمدة جديداً في استحقاق مثّل تحولاً سياسياً عميقاً داخل المشهد الأمريكي. بفوزه الساحق في هذا السباق، دخل زهران ممداني التاريخ كأول أمريكي مسلم من أصول جنوب آسيوية يتولى رئاسة عمدة المدينة، في حدث غير مسبوق يجمع بين الرمزية السياسية والاجتماعية والثقافية في آنٍ واحد.
ولد ممداني عام 1991 في أوغندا لعائلة هندية مسلمة هاجرت إلى الولايات المتحدة وهو طفل صغير، واستقر في حي كوينز بنيويورك، حيث عاش تجربة المدينة بكل تناقضاتها: تنوعها الثقافي من جهة، وفوارقها الاقتصادية الحادة من جهة أخرى.
هذه الخلفية، كما يرى مراقبون، شكّلت وعيه السياسي المبكر، فحمل قضايا المهاجرين والطبقات المهمشة إلى قلب الخطاب العام، مؤمناً بأن العدالة الاجتماعية لا تتحقق إلا بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
تزوّج ممداني من راما دوجي في عام 2025 بعد لقائهما عبر تطبيق مواعدة، وهي فنانة سورية‐أمريكية متخصصة في الرسوم التوضيحية والفنون البصرية، ولدت في دمشق واستقرت لاحقاً في نيويورك.
حملة انتخابية بلغة الناس
خاض ممداني حملته تحت شعار “استعادة المدينة للناس”، مُستنداً إلى برنامج تقدّمي ركّز على القضايا اليومية التي تمسّ حياة السكان: السكن، النقل، الأجور، والخدمات العامة. دعا إلى جعل النقل العام مجاناً، وفرض ضرائب أعلى على الأثرياء والمضاربين العقاريين، وتعزيز الإنفاق على المدارس والرعاية الصحية. كان خطابه بسيطاً وواضحاً: “نيويورك ليست شركة، إنها بيت لأكثر من ثمانية ملايين إنسان، ويجب أن يشعر كل فرد بأنه جزء من هذا البيت”.
هذا النهج أكسبه تأييداً واسعاً، خصوصاً بين الشباب وسكان الأحياء المتوسطة والفقيرة، الذين رأوا فيه صوتاً جديداً يعبّر عن غضبهم من النظام الاقتصادي القائم. في المقابل، حاول خصمه الأبرز، الحاكم الأسبق أندرو كومو، الذي خاض السباق كمستقلّ، أن يقدّم نفسه كمرشح الخبرة والاستقرار، مُحذراً من أن سياسات ممداني “الراديكالية” قد تهدد بيئة الأعمال وتدفع المستثمرين إلى مغادرة المدينة. إلا أن إرث كومو السياسي، وما رافقه من تحقيقات حول إساءة استخدام السلطة، أضعف موقفه أمام ناخبين يبحثون عن وجوه جديدة خارج المؤسسة التقليدية.
في نهاية السباق، حسم ممداني المعركة بحصوله على أكثر من 50% من الأصوات، مقابل نحو 40% لكومو، فيما اكتفى الجمهوري كيرتس سليوا بنسبة متواضعة لم تتجاوز 7%.
إقبال قياسي واستقطاب فكري
تجاوزت نسبة المشاركة في الانتخابات التوقعات كافة، حيث أدلى أكثر من 730 ألف ناخب بأصواتهم مبكراً، في رقم قياسي يعكس شدة الاستقطاب السياسي والاهتمام الشعبي غير المسبوق. تحوّلت انتخابات العمدة إلى ساحة مواجهة بين جناحين داخل الحزب الديمقراطي: التقدمي الذي يمثله ممداني، والذي يدعو إلى إعادة توزيع الثروة والعدالة الاقتصادية، والوسطي الذي يفضل مقاربة أكثر اعتدالاً للحفاظ على استقرار الأسواق.
فوز ممداني لم يكن مجرد انتصار سياسي، بل تعبيراً عن تحوّل ثقافي واجتماعي أعمق، إذ صوتت أجيال شابة وأقليات عرقية ودينية لصالح رؤية جديدة لأمريكا تقوم على المساواة والمواطنة المتعددة، مقابل جيل أقدم يخشى من أن تؤدي هذه التحولات إلى تفكيك النموذج الاقتصادي القائم.
ترامب يدخل المعركة
قبل أيام من موعد الاقتراع، دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط المواجهة، مهاجماً ممداني بشدة ووصفه بأنه “شيوعي متطرف” و”تهديد للقيم الأمريكية”، ملوّحاً بتقليص التمويل الفيدرالي لمدينة نيويورك في حال فوزه. كما أعلن دعمه الضمني لأندرو كومو، معتبراً أنه “الخيار الأقل ضرراً”.
لكن هذه الهجمات ارتدت عكسياً، إذ استغل ممداني تصريحات ترامب لتوحيد قاعدته التقدمية، قائلاً في أحد خطاباته الجماهيرية: “حين يخاف ترامب من فوزك، فاعلم أنك على الطريق الصحيح”.
وأظهرت النتائج أن تأثير ترامب في مدينة مثل نيويورك بات محدوداً جداً، في وقت تشهد فيه المدن الأمريكية الكبرى ميلاً متزايداً نحو القيم الليبرالية والتعددية الثقافية.
هوية جديدة لأميركا؟
تعتبر “واشنطن بوست” أن انتخاب ممداني يمثل زلزالاً سياسياً وثقافياً داخل الحزب الديمقراطي، ورسالة قوية إلى المؤسسة التقليدية في واشنطن بأن مرحلة “الوسطيّة الآمنة” قد انتهت. فهو ليس مجرّد سياسي شاب من الأقليات، بل أول مسلم يصل إلى أحد أبرز المناصب المحلية في الولايات المتحدة، ما يجعله رمزاً للتحوّل الذي تشهده أمريكا في نظرتها إلى الهوية والدين والمواطنة.
في المقابل، يحذّر الجمهوريون وأنصار ترامب من أن فوز ممداني قد يشجع ما يسمونه “اليسار الراديكالي” على توسيع نفوذه، ويصفون صعوده بأنه “بوابة إلى الإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة”. بينما يرى مؤيدوه أنه يجسد “أمريكا الجديدة المنفتحة والمتنوعة” التي تعيد تعريف نفسها عبر المشاركة والتعددية لا عبر الخوف والانقسام.
تداعيات اقتصادية واجتماعية
أثار فوز ممداني جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية بنيويورك. فخططه لفرض ضرائب أعلى على العقارات الفاخرة وتوسيع الخدمات العامة قد تغيّر خريطة الاستثمار في المدينة. ويرى بعض المحللين أن هذه السياسات قد تبطئ النمو الاقتصادي، بينما يرد فريق ممداني بأن العدالة الاجتماعية ليست نقيضاً للنمو بل شرطاً لاستمراره. ويقول أحد مستشاريه: “لا يمكن لمدينة يعيش فيها ملايين العمال بأجور منخفضة أن تزدهر من دون إصلاحات جذرية، فالاستقرار الحقيقي يبدأ من الإنصاف”.
تجاوزت دلالات فوز ممداني حدود المدينة لتصبح مرآة لتحولات عالمية، حيث تتصاعد موجة من السخط الشعبي في أنحاء العالم ضد السياسات النيوليبرالية التي عمّقت الفوارق الطبقية. ومن هذا المنظور، فإن تجربة ممداني تمثل رمزاً لتلك الرغبة العالمية في إعادة تعريف دور الدولة وضمان العدالة الاقتصادية، وهي نقاشات تتردد أصداؤها أيضاً في المجتمعات العربية.
زمن التحولات الكبرى
لم يكن فوز زهران ممداني مجرد انتصار انتخابي، بل بداية فصل جديد في قصة نيويورك وأميركا المعاصرة. المدينة التي كانت لعقود رمزاً للرأسمالية العالمية اختارت هذه المرة مساراً مختلفاً، يعبّر عن توقٍ إلى العدالة والمساواة والتمثيل الشامل. أما على المستوى الوطني، فقد مثّل موقف ترامب تذكيراً بأن الصراع على هوية الولايات المتحدة لم يُحسم بعد، وأن الانقسام بين رؤيتين متناقضتين — واحدة ليبرالية منفتحة وأخرى محافظة قومية — سيستمر في تشكيل المشهد السياسي لسنوات مقبلة.
ومع بزوغ فجر عمدة مسلم في نيويورك، يبدو أن أمريكا تدخل مرحلة جديدة من النقاش حول معنى الحرية والتعددية والعدالة — مرحلة قد تغيّر وجهها السياسي والاجتماعي لعقود مقبلة.
صلات إخوانية مثيرة للجدل
تلاحق العمدة الجديد لمدينة نيويورك، زهران ممداني، شبهات بوجود صلات فكرية أو رمزية تجمعه بشخصيات ومنظمات محسوبة على تيار الإسلام السياسي، رغم نفيه أي ارتباط تنظيمي أو أيديولوجي من هذا النوع. تستند تلك المزاعم إلى مشاركته السابقة في أنشطة طلابية داعمة لفلسطين، وإلى تقاطعات فكرية مع حركات تنتقد إسرائيل وتتبنى خطاباً مناهضاً للسياسات الغربية، إضافة إلى دعم انتخابي تلقّاه من جماعات إسلامية ناشطة سياسياً في الولايات المتحدة، ومنها مجلس العلاقات الأمريكية-الإسلامية (CAIR)، المقرب من جماعة الإخوان المسلمين، والذي اعترفت الناشطة النسائية المؤيدة لحملة زهران ممداني، ليندا صرصور، بأنه قدّم تمويلا لحملته بقيمة 100 ألف دولار.
غير أن أن ممداني يبقى أقرب إلى التيار اليساري التقدّمي منه إلى الإسلام السياسي التقليدي، وما يُثار حوله يعكس توتراً متنامياً في المشهد الأميركي بين تياريْن متقابلين: مناصري العدالة الاجتماعية من جهة، والمدافعين عن الخطاب الأمني والمصالح الإستراتيجية الغربية من جهة أخرى.
المصدر : https://global-watch-arabia.-




