موريتانيا في عهد الغزواني: “دبلوماسية الهدوء الحازم” وصناعة الاستثناء الاستراتيجي د. يوسف حرمة ببانا

د. يوسف حرمة ببانا رئيس حزب التجمع من أجل موريتانيا (تمام)
في وقت تتلاطم فيه أمواج الاضطرابات السياسية والأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، وتنكفئ فيه العديد من الأنظمة على أزماتها الداخلية، تبرز موريتانيا اليوم كحالة استثنائية استراتيجية.
لم يكن هذا الصعود، الممتد من قصر الإليزيه بباريس وصولاً إلى صنع القرار الإفريقي، وليد الصدفة أو نتاج ظرفية عابرة، بل هو الثمرة الناضجة لنهج دبلوماسي صامت لكنه عميق الأثر، أرسى دعائمه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تحت عنوان: “الهدوء الحازم والسيادة المنتجة”.
ورغم سعة الحدود الجغرافية التي تربط موريتانيا ببلدان تعصف بها الازمات وبالرغم أن بعض الإثنيات المشكلة للنسيج الاجتماعي في هذه الدول هي نفسها الموجودة في موريتانيا فإن مقاربة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الأمنية وصبره الاستراتيجي وعلاقاته الواسعة بمختلف الفاعلين في المشهد الإقليمي منعت حتى الآن تصدير عناصر الأزمة إلى الداخل الموريتاني، وهو نجاح يحسب له إلى جانب نقاط قوة سجلها في الصراع مع حركة تحرير الزنوج الأفارقة (فلام) التي دست سموما كثيرة في العلاقات بين شرائح المجتمع اثمرت شرخا كبيرا داخل البيت الواحد، وسعت لتحقيق ماهو أكبر من ذلك لو لا ان الرجل بحسه الأمني وخبرته العسكرية وقدرته على المواجهة دون المواجهة امتص قوة الضربة وحولها بهدوء إلى حركة رياضية عابرة.
وعلى مستوى الجبهة الداخلية فقد استطاع غزواني أن يحيل غالبية المجتمع النخبوي في موريتانيا ورجال الصف الأول من السياسيين إلى التقاعد المريح وأن يكشف أوراق المتمصلحين والنفعيين ممن يسوقون الفتنة ويتربحون من الأزمات في المحافل الدولية.
وفي هذا السياق يمكن فهم السعي الحثيث للنظام نحو إجراء حوار وطني لا يقصي أحدا ولا يسثني “موضوعا”، بل هو حوار بمقاييس الرئيس الخلوق الصبور الذي يعرف ما يريد، ويفهم كيف يصل إلى الغايات من خلال تصحيح البدايات.
وسيكون من أهم النتائج المرجوة من هذا الحوار تأكيد عدم ترشح الرئيس لمأمورية ثالثة، وإجراء انتخابات تشريعية وبلدية في بداية 2027، تغير شكل المشهد السياسي وتفتح الباب أمام غزواني لدخول التاريخ من زاوية الإنجاز ، والتفرغ للعبادة والزهد في محراب زاوية الطريقة الصوفية.
وبخصوص المكانة الدولية لموريتانيا في عهد الغزواني فقد شكلت زيارته الأخيرة لباريس، محطة فارقة في التاريخ الوطني الحديث سواء من حيث تصنيفها في قمة الهرم البروتوكولي (A+)، أو من حيث الزخم الإعلامي الذي أحاطتها به القوة الاستعمارية السابقة، مما عكس تقديراً لشخص الرئيس، واعترافا دوليا بموريتانيا كشريك موثوق في لحظة تعاني فيها علاقات القوى الدولية مع القارة الإفريقية من أزمات ثقة عميقة.
تجاوزت موريتانيا من خلال هذه الزيارة منطق “التبعية” الكلاسيكي، مقدمةً نموذجاً للندية القائمة على الاحترام المتبادل رابح – رابح، واستطاع الرئيس من خلالها تقديم “المقاربة الأمنية الشاملة” لموريتانيا كدليل عملي على النجاح. هذه المقاربة التي توازن بين القبضة الأمنية القوية والعدالة الاجتماعية والتنمية المحلية، جعلت من الرئيس الغزواني “رجل المرحلة” القابل للتحدث مع الجميع.
إن قدرة موريتانيا على لعب دور الوسيط الهادئ، والفاعل الذي يمتلك لغة دبلوماسية تتجنب الصدامات وتنتزع المكاسب، أعادت لـ “جواز السفر السياسي” الموريتاني هيبته. فنحن اليوم أمام دولة لا تبيع الأوهام، بل تفي بالتزاماتها الدولية وتتمسك بخصوصيتها الوطنية.
وحينما صرح الغزواني وهو القائد العسكري الميداني وسليل الجيش الموريتاني العريق بأن “الاستقرار لا يُستورد”، فإنه لم يكن يطلق شعاراً عاطفياً، بل كان يضع قاعدة عمل سيادية؛ ترفض القواعد العسكرية الأجنبية التقليدية، وفي الوقت ذاته، تحافظ على أعلى مستويات التنسيق الأمني والتقني.
إنه “الاستقلال الذكي” الذي يحمي الحدود ويحفظ السيادة في آن واحد، ويجعل من الاستقرار عملة صعبة ووقود للتنمية وركيزة اقتصادية صلبة.
إن ما نشهده اليوم هو مرحلة “النضج الاستراتيجي “؛ حيث فكت نواكشوط عقدة التبعية التاريخية، واستبدلتها بمنطق المصالح الوطنية المؤسسة على الهدوء الحازم، لتكون رقماً صعباً في معادلة الأمن والطاقة العالمية، و ليست مجرد جسر بين إفريقيا والعالم العربي، أو مجرد مصدر للمواد الخام، بل صوت الحكمة والاتزان في عالم يفتقد إليهما بشدة، ونموذجا حيا لدولة عرفت كيف تحول هدوءها الداخلي إلى قوة ضاربة في المحافل الدولية.
وكخلاصة لهذا التداعي الحر، فإننا نأمل أن يدرك الموريتانيون خطورة الغليان في محيطهم الإقليمي وأن يلتفوا حول جيشهم الوطني الذي هو صمام أمانهم وحامي وحدتهم، وأن يدركوا جيدا أن هذا المنهج الحازم الذي أثمر الأمن والاستقرار يحتاج صيانة دورية تحافظ على المكتسبات وتتطلع نحو مستقبل يزداد ثمن البقاء فيه كل يوم عشرة أضعاف ويحدد فيه مصير الأمم الأقوياء الذين يأكلون مما يزرعون ويحاربون بأدوات من صنع أيديهم ويملكون قرارهم الاستراتيجي من خلال تحقيق السيادة الرقمية والتكنولوجية، ومن لم يستطع ذلك فعليه ان يهيئ نفسه لخدمة غيره بذلة وهوان من أجل لقمة العيش.




