صحيفة الصدى / ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تعود أفريقيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا بوصفها بؤرة أزمات فحسب، بل باعتبارها قارة الفرص والإمكانات.
غير أن هذه الإمكانات تظل رهينة معادلة معقدة تختزلها ثنائية الأمن والتنمية، وهي الثنائية التي شكلت محورًا رئيسيًا في نقاشات منتدى داكار الدولي للسلام والأمن في أفريقيا.
ففي مناطق واسعة من القارة، لا يزال انعدام الاستقرار الأمني يشكل عائقًا حقيقيًا أمام أي جهود تنموية جادة.
النزاعات المسلحة، وتصاعد الجماعات المتطرفة، والهشاشة المؤسساتية، كلها عوامل تفرز بيئة طاردة للاستثمار ومُقيدة للنمو.
لكن في المقابل، يتضح أن هذه الأزمات الأمنية ليست سوى انعكاس لأزمات أعمق، ترتبط بالفقر، والبطالة، وضعف الخدمات الأساسية، وغياب العدالة الاجتماعية.
لقد أكدت مداولات المنتدى أن المقاربة الأمنية التقليدية، القائمة على الحلول العسكرية فقط، لم تعد كافية.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق إلا ضمن سياق تنموي شامل، يضع الإنسان في قلب المعادلة، ويعالج جذور الأزمات بدل الاكتفاء بمظاهرها.
ومن هنا، يبرز الترابط العضوي بين الاستقرار والتنمية، حيث لا يمكن لأي منهما أن يتحقق بمعزل عن الآخر.
وفي هذا السياق، برزت قضية السيادة الاقتصادية كأحد المفاتيح الأساسية لفك هذا الارتباط المعقد.
فالقارة الافريقية رغم ما تزخر به من ثروات طبيعية هائلة، لا تزال تعاني من ضعف التحكم في مواردها،
ومن تبعية واضحة في سلاسل الإنتاج العالمية. ويطرح هذا الواقع تحديًا جوهريًا يتمثل في ضرورة الانتقال من اقتصاد تصدير المواد الخام إلى اقتصاد يقوم على تثمين الموارد، وتطوير الصناعات التحويلية،
وبناء سلاسل قيمة محلية وإقليمية قادرة على خلق الثروة وفرص العمل.
غير أن تحقيق هذا التحول يظل مشروطًا بوجود مؤسسات قوية وشرعية، قادرة على إدارة الموارد بكفاءة وشفافية، وتعزيز ثقة المواطنين في الدولة.
فضعف الحكامة وانتشار الفساد :لا يقوضان فقط جهود التنمية، بل يفتحان أيضًا الباب أمام التوترات الاجتماعية وعدم الاستقرار.
كما شدد المشاركون على أهمية بناء اقتصادات مرنة، قادرة على الصمود في وجه الأزمات العالمية المتلاحقة، من خلال تنويع مصادر الدخل، وتشجيع الابتكار، والاستثمار في رأس المال البشري. وفي هذا الإطار، يظل الشباب والنساء ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي، بما يمثلونه من طاقات كامنة يجب تحريرها وإدماجها في الدورة الاقتصادية.
وفي خضم هذه التحديات، يبرز التكامل الإقليمي كخيار استراتيجي لا غنى عنه. فتعزيز التعاون بين الدول الأفريقية، وتوحيد الجهود في مجالات الأمن والتنمية، من شأنه أن يعزز القدرة الجماعية للقارة على مواجهة التحديات، ويفتح آفاقًا جديدة للنمو المشترك.
ختامًا: يبدو أن الرهان الحقيقي أمام أفريقيا اليوم لا يكمن فقط في تحقيق الأمن أو دفع عجلة التنمية، بل في القدرة على صياغة نموذج متكامل يجمع بينهما في إطار من السيادة والاستقلالية.
وهو ما يجعل من مخرجات منتدى داكار الدولي للسلام والأمن في أفريقيا محطة مهمة في مسار البحث عن هذا النموذج، الذي قد يشكل بوابة عبور القارة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.




