الأخبارالرأيتحقيقات

المهندس أحمد ولد أعمر يكتب : لمسة يد في مرمي البروتوكول

في المشاهد الرسمية، لا تتحرّك الأجساد عشوائياً، بل تخضع لنظام صارم يُسمّى “البروتوكول”.
وهو ليس مجرد “إتيكيت” أو مراسم شكلية كما يظن كثيرون، بل هو الترجمة المرئية لهرم السلطة في الدولة.
كل خطوة فيه محسوبة، وكل مسافة فيه مقصودة، وكل لمسة فيه رسالة تُقرأ بعدد لغات العالم.
هناك، لا فرق بين ما تنويه وما تفعله… لأن الكاميرا لا تصوّر النوايا، بل تصوّر الأفعال.
وحين تُمسك يدُ رئيسِ دولةٍ أمام الكاميرات فالأمر لم يعد شخصياً.
ما يحدث في تلك اللحظة هو إعادة ترتيب بصرية لمنظومة السلطة بأكملها في وعي كل من يشاهد تلك اللقطة.
المهندس أحمد ولد أعمر

أول ما يتعلّمه طالب البروتوكول في أي معهد دبلوماسي محترم هو مبدأ “الأسبقية”.

هذا المبدأ يعني أن رئيس الدولة يسبق الجميع: في الدخول، في الجلوس، في الكلام، وفي الحركة.
لا أحد يتقدم عليه، ولا أحد يوجّهه، ولا أحد يقرر عنه أين يذهب.
ليس لأنه فوق البشر، بل لأنه في تلك اللحظة ليس شخصاً يمثل نفسه،
بل مؤسسة تمشي، وسيادة تُرى، وهيبة تُحفَظ، وشعب يُمثَّل في كل حركة.
والقاعدة الثانية التي يحفظها كل دبلوماسي هي مبدأ “عدم الملامسة غير المبادَر بها”، أي أن لا أحد يلمس رئيس الدولة جسدياً إلا إذا بادر هو بذلك.
لا مصافحة إلا إذا مدّ يده أولاً،
لا ربتة على الكتف،
لا سحب من الذراع،
لا توجيه باليد.
هذه قاعدة معمول بها في كل الأنظمة الرئاسية المحترمة، من واشنطن إلى باريس إلى طوكيو،
ولا استثناء فيها لرجل أعمال، ولا لوزير، ولا حتى لرئيس دولة شقيقة.
وهناك مفهوم ثالث لا يقل أهمية: ما يُعرف بـ “الفقاعة الرئاسية” (La bulle présidentielle).
وهي المساحة الجسدية والرمزية المحيطة بالرئيس، التي لا يخترقها إلا من صرّح له البروتوكول بذلك.
هذه الفقاعة ليست ترفاً أمنياً، بل هي حصن بصري يحمي صورة الدولة من أي التباس في ذهن من يشاهد.
لكن لماذا كل هذا التشدد؟
لأن الدول أدركت باكراً حقيقة خطيرة هي :
الهيبة لا تُبنى بالقرارات الكبرى وحدها، بل تُنحت يومياً بتراكم تفاصيل صغيرة… وتُهدم بالطريقة نفسها.
حين يرى مواطن عادي شخصاً يسحب رئيس دولته من يده أمام الكاميرات ، فما يُسجَّل في وعيه العميق ليس “مشهداً عابراً”،
بل سؤالا وجوديا صامتا هو  : من يقود من؟
وحين يتكرر هذا النوع من المشاهد دون معالجة، يتحوّل السؤال من استفهام إلى يقين يعني 
أن حدود المؤسسة الرئاسية قابلة للاختراق. وهذا اليقين—لا التجاوز ذاته—هو الخطر الحقيقي.
في أمريكا، حين وضع رئيس وزراء أجنبي يده على ظهر الرئيس الأمريكي لتوجيهه،
تحوّلت اللقطة إلى أزمة دبلوماسية مصغّرة، وحدث إعلامي استمر أسابيع.
وفي بريطانيا، أثارت سيدة أسترالية عاصفة بروتوكولية حين وضعت يدها على خصر الملكة إليزابيث الثانية في لحظة ودّ عفوي.
وفي فرنسا، لا يسير أحد أمام الرئيس، ولا يأخذ بيده، حتى في المعارض؛ المرافق يشير من بعيد ويشرح لفظياً، لكن القرار الجسدي يبقى للرئيس وحده.
ليست تقاليد قديمة، بل علمٌ مُقنَّن، تُدرّسه المعاهد وتضبطه فرق متخصصة.
والتهاون مع هذا النوع من التجاوزات، مهما بدت بسيطة، له ثمن تراكمي ثقيل يعرفه كل متخصص في البروتوكول:
يبدأ الأمر بيدٍ تمتدّ في لحظة حماس،
ثم يصبح كتفاً يُربَت عليه في مناسبة ثانية،
ثم يتحوّل إلى همسة في أذن الرئيس أمام الكاميرات،
ثم إلى شخص يجلس حيث لا ينبغي أن يجلس،
ثم إلى دائرة كاملة تتصرف وكأن المؤسسة الرئاسية فضاء مفتوح لمن يملك الجرأة أو النفوذ.
كل تجاوز يُمرَّر يرسم سابقة،
والسابقة في البروتوكول أخطر من القرار… لأنها تتحوّل إلى عُرف.
والأخطر من ذلك أن هذا التآكل لا يُرى في لحظته، بل تظهر نتائجه حين يحتاج البلد إلى هيبة مؤسساته أمام أزمة حقيقية،حينها سنكتشف أن هذه الهيبة قد تآكلت في تفاصيل ظنّ الجميع أنها لا تستحق الاهتمام.
من المنصف تماماً أن نقول إن النوايا غالباً حسنة: حماس، عفوية، ودّ صادق.
لكن البروتوكول لم يُوضع ليحاكم النوايا، بل ليحمي المعاني.
والمسؤولية هنا ليست فردية بل تتقاسمها عدة جهات :
جهاز البروتوكول الرئاسي يتحمّل جزءاً حين يترك فراغاً يملؤه الارتجال،
والنخب تتحمّل جزءاً حين تخلط بين القرب الشخصي والانضباط المؤسسي،
والثقافة العامة تتحمّل جزءاً حين لا تُميّز بين المجلس الخاص والفضاء الرسمي.
لكن في المحصلة، لا عذر يُقبل أمام كاميرا سجّلت ما سجّلت. لأن الصورة، حين تخرج، لا تحمل معها تبريراً… بل تحمل معنى. والمعنى الذي يصل إلى الملايين لا يُمحى بالتوضيحات.
الفرق بين العفوية والارتباك خيط رفيع،
والدولة—في تمثيلها الأعلى—لا تتحمّل الالتباس.
وفي الدول الراسخة، لا أحد “يأخذ” رئيس الدولة،
بل الجميع يسير وفقه…
لأن الرمز حين يُرى، لا يُرى كشخص، بل كدولة تمشي.
المصدر : الكاتب 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى