
في السياق السياسي الذي تعيشه موريتانيا، يبرز إشكال بنيوي لا يمكن فصله عن طبيعة النخب التي تتصدر الفعل العام وتمثل الوسيط بين الدولة والمجتمع. ففعالية الدولة في أي تجربة حديثة لا ترتبط فقط بتوفر الموارد أو تعدد البرامج التنموية، بل تتحدد أيضًا بنوعية الفاعلين السياسيين وقدرتهم على استيعاب تعقيدات إدارة الشأن العام وصياغة السياسات العمومية وفق مقاربات مؤسسية وعلمية متماسكة.
وقد أصبح واضحًا أن إدارة الدولة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الشرعية السياسية أو الحضور الشعبي، بل باتت تتطلب كذلك كفاءة معرفية، وخبرة مؤسسية، وقدرة على فهم الترابط بين الملفات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية. غير أن الملاحظة الواقعية تشير إلى أن جزءًا من النخب السياسية ما يزال يواجه صعوبة في مواكبة هذا التحول، سواء بسبب محدودية التأهيل، أو ضعف التكوين التقني، أو غياب الخبرة الكافية في إدارة القضايا العمومية المركبة، وهو ما ينعكس بدرجات متفاوتة على جودة الخطاب السياسي ويأثر علي القرار العام.
وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة انتقال تدريجي من السياسة القائمة على البرامج والرؤى المتكاملة إلى أنماط من الممارسة السياسية يغلب عليها الطابع الخطابي والتعبوي. فبدل أن يكون التنافس السياسي قائمًا على مشاريع قابلة للقياس والتقييم، أصبح التركيز في بعض الأحيان منصبًا على خطاب سريع ومباشر يستهدف التأثير الآني في الرأي العام أكثر من تقديم حلول عملية قابلة للتنفيذ.
ولا تكمن الإشكالية في تبسيط الخطاب السياسي وتقريبه من المواطنين، فذلك يُعد جزءًا طبيعيًا من العمل الديمقراطي، بل في اختزال القضايا المركبة في شعارات سريعة تفتقر إلى الرؤية العملية وآليات التنفيذ. فالدولة الحديثة لا تُدار بالانطباعات، كما أن السياسات العمومية لا تُبنى على ردود الفعل الظرفية، بل على التشخيص الدقيق والمعطيات الموضوعية والتخطيط بعيد المدى.
ومن هنا، لا يقتصر أثر محدودية الكفاءة على مستوى الخطاب السياسي فحسب، بل يمتد إلى آليات صناعة القرار العمومي. فصياغة السياسات العامة تتطلب إلمامًا بالأدوات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، إضافة إلى القدرة على تقدير آثار القرارات على المديين المتوسط والبعيد. وفي غياب هذا المستوى من التأهيل، تظهر أحيانًا سياسات جزئية تفتقر إلى الرؤية الشمولية، وتعتمد على الانطباع أكثر من اعتمادها على الدراسات التقييمية والمعطيات الدقيقة.
ومع توسع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، تعززت هذه النزعة بشكل أكبر، حيث أصبحت سرعة الانتشار والتفاعل معيارًا للتأثير السياسي لدى بعض الفاعلين، بدل جودة المحتوى وعمق النقاش. وهو ما ساهم تدريجيًا في إضعاف النقاش العمومي الرصين، وفي تراجع الاهتمام بالمقاربات التقنية والمؤسسية الضرورية لمعالجة التحديات المعقدة التي تواجه الدولة والمجتمع.
غير أن تحميل النخب وحدها مسؤولية هذا الواقع يبقى طرحًا غير مكتمل، لأن محدودية الكفاءة لا يمكن فصلها عن طبيعة البيئة السياسية والحزبية التي ما تزال، في كثير من الأحيان، عاجزة عن إنتاج مسارات فعالة للتكوين والتأهيل والتداول المؤسسي. فضعف البناء الحزبي، وهشاشة آليات التأطير السياسي، وغياب مراكز التفكير والدراسات داخل المجال الحزبي، كلها عوامل تسهم في إعادة إنتاج الأزمة نفسها، وتحد من قدرة الحياة السياسية على تجديد نخبها وفق معايير الكفاءة والفعالية.
وينعكس هذا التداخل بين محدودية التأهيل وهيمنة الخطاب التعبوي مباشرة على فعالية الدولة، من خلال تراجع جودة النقاش داخل المؤسسات التمثيلية، وضعف التنسيق بين المستويات السياسية والتنفيذية، وتعثر بعض مسارات الإصلاح التي تتطلب بيئة سياسية قادرة على استيعاب النقاش التقني والمؤسسي المعقد.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه موريتانيا اليوم لا يرتبط فقط بتحقيق معدلات نمو أو إطلاق برامج تنموية، بل ببناء نخبة سياسية قادرة على تحويل هذا النمو إلى مؤسسات فعالة وسياسات عمومية مستدامة. إذ لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن يحقق أهدافه في ظل فجوة متزايدة بين تعقيد الدولة الحديثة ومستوى التأهيل السياسي والإداري لبعض الفاعلين في المجال العام.
فالتنمية ليست مجرد أرقام، بل كفاءة في إدارة التحول، والدول التي لا تطور نخبها السياسية تجد نفسها عاجزة عن تحويل الفرص المتاحة إلى مسار مؤسسي مستقر وقادر على الاستمرار.




