الأخبارمقالات و تحليلات

بين فكي كماشة الهند والخليج .. خفايا الدور الباكستاني للوساطة بين واشنطن وطهران / بقلم : ا.د كريم فرمان

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

في مقال حصري ومثير،، ل ( الصدى )
يضعنا الأكاديمي العراقي البارز، الأستاذ الدكتور كريم فرمان، أمام تحليل سياسي نوعي ومتفرد، يخترق جدار الصمت ليفكك خفايا وأسرار التحركات الباكستانية السرية والمعلنة. مقال استثنائي يستحق القراءة والتعمق، يكشف التوازنات الحرجة في منطقة ملتهبة بصراع القوى! لا تفوتوا فرصة قراءة هذا الطرح الجريء والعميق لمعرفة من يمسك بخيوط اللعبة الجيوسياسية الآن!

تتحرك الدبلوماسية الباكستانية بـنفسٍ لاهث لمد جسور الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، في سلوك يتجاوز الرغبة التقليدية في تحقيق السلام الإقليمي إلى مرتبة “الاستقتال” السياسي.

ان خلف هذا الإصرار المستميت تكمن شبكة معقدة من الحسابات الجيوسياسية، والضرورات الاقتصادية، والمخاوف الأمنية الوجودية اذ لا تقف إسلام آباد في مربع الوسيط النزيه تطوعاً، بل تتحرك كلاعب يدافع عن بقائه في محيط جيوستراتيجي شديد الاشتعال.

السؤال ما هي خريطة الدوافع الجيوسياسية والأهداف الخفية لباكستان؟
ان الجواب على هذا السؤال الجوهري يدفع إلى استخلاص مخاوف وهواجس باكستان على النحو التالي:

* تجنب الانفجار على الحدود الغربية حيث تشترك باكستان مع إيران في حدود برية تمتد لنحو 900 كيلومتر مضطربة أمنياً ، وأي مواجهة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية ضد إيران ستعني تلقائياً تدفق ملايين اللاجئين الإيرانيين باتجاه الأراضي الباكستانية المنهكة اقتصادياً، فضلاً عن انتقال شرارة الفوضى العسكرية إلى الداخل.
* الهروب من مصيدة الديون، تعيش باكستان أزمة اقتصادية خانقة تدفعها بشكل متكرر إلى عتبة صندوق النقد الدولي فالاستقرار الإقليمي شرط أساسي لتدفق الاستثمارات الأجنبية، كما تطمح لإحياء مشروع “أنبوب الغاز الإيراني الباكستاني” المتعثر بسبب العقوبات الأمريكية، مما يجعل التسوية طوق نجاة لاقتصادها.

* البحث عن تأهيل دولي لتخفيف ضغوط غربية مستمرة تتعلق بملفات الديمقراطية والتسلح النووي و نجاح إسلام آباد في لعب دور “المُهندس” للقاءات الأمريكية الإيرانية يمنحها بطاقة حصانة دبلوماسية، ويجعل من استقرارها السياسي حاجة ملحة للأمن القومي الأمريكي.

ومن بين سطور هذا الدور يبرز صراع الأخوة الأعداء وهو ظِلّ الهند في حسابات الوساطة بوضوح هاجس
“العقدة الهندية” والمحرك الأساسي للأمن القومي الباكستاني هو صراعها المزمن مع جارتها اللدود الهند، وتنعكس هذه العقيدة على ملف الوساطة عبر محددين خطيرين:

1. حصار المحور (نيودلهي – طهران) استثمرت الهند بقوة في تطوير ميناء “تشابهار” الإيراني لفتح ممر تجاري نحو أفغانستان وآسيا الوسطى التفافاً على باكستان ،لذا تحاول إسلام آباد عبر بوابات الوساطة سحب طهران بعيداً عن النفوذ الهندي المتصاعد، وإقناع القيادة الإيرانية بأن باكستان هي البوابة الأكثر أماناً لحل أزماتها.
2. موازنة النفوذ في أفغانستان، بعد التغيرات الجيوسياسية في كابل، باتت أفغانستان ساحة للتنافس الاستخباري والسياسي بين الهند وباكستان و تسعى باكستان للتنسيق مع إيران لضمان عدم استغلال الهند للأراضي الأفغانية أو الإيرانية كمنصات تهدد العمق الباكستاني.
ولا بد للتحليل السياسي وتفكيك هذا الدور المستميت ان يشير إلى
الميزان الحرج المتمثل في مدى انعكاس الوساطة على التحالف الباكستاني السعودي؟

لا يمكن قراءة التحرك الباكستاني بمعزل عن عمقها الاستراتيجي والمالي الأهم في الرياض ،حيث تعيد هذه الوساطة صياغة التحالف التاريخي بين البلدين وفق معادلات جديدة:

* الدبلوماسية الوقائية وتجنب فخ الاختيار لأن باكستان تسعى من خلال دور “الوسيط” إلى الهروب من سيناريو كارثي يجبرها على الاختيار بين حليفها المالي الأول (السعودية)، وجارها الجغرافي (إيران)، وهو ما يتناغم تكتيكياً مع توجهات الرياض الحالية لتهدئة الأزمات الإقليمية لتركيز الجهود على رؤيتها التنموية.

* قناة اتصال خلفية موثوقة: ترفع الوساطة من القيمة الاستراتيجية لإسلام آباد في عين القيادة السعودية وحساباتها، حيث تتحول إلى أداة دبلوماسية ثمنية وقناة خلفية لنقل الرسائل الحساسة أو اختبار النوايا الإيرانية والأمريكية بوعاء سياسي ناضج يتجاوز مجرد التحالف العسكري التقليدي.

* حماية تدفق الاستثمارات السعودية. تدرك باكستان أن الوعود السعودية بضخ مليارات الدولارات في قطاعات الطاقة والتعدين الباكستانية لن تتحقق إذا اشتعلت المنطقة بحرب مفتوحة، لذا فإن نجاح التهدئة هو الضمانة الوحيدة لإنقاذ اقتصادها عبر الاستثمار السعودي.

* الخطوط الحمراء ولكن محاذير الانحياز ان هذا التحالف يقف على حبل مشدود، فالخط الأحمر للرياض هو ألا تمنح الوساطة الباكستانية طهران تنازلات مجانية أو رفعاً للعقوبات دون التزامات حقيقية بوقف دعم المليشيات والاذرع الإيرانية أي هفوة تُفسر كانحياز لـ “محور المقاومة” ستؤدي فوراً إلى تبريد العلاقات مع السعودية وتجميد الدعم المالي.

ويبق هاجس لدى عدد غير قليل من المحللين السياسيين والمتابعين هو هل تخدم الوساطة الباكستانية دول الخليج العربي ومصالحها؟

حقيقة تتأرجح الإجابة على هذا السؤال بين منافع تكتيكية مباشرة ومخاوف استراتيجية بعيدة المدى!

* المصالح والفوائد الشريكة: إن خفض التصعيد بين واشنطن وطهران يخدم مباشرة دول الخليج العربي من خلال حماية ممرات الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وضمان سلامة منشآت الطاقة، وتهيئة بيئة آمنة للمشاريع الاقتصادية العملاقة.
* الوجه الآخر للمخاوف الخليجية ،تخشى بعض العواصم الخليجية أن تؤدي وساطة باكستانية غير مشروطة إلى تقديم واشنطن لتنازلات تطلق يد إيران مجدداً في المنطقة مما يعني أن الوساطة لن تخدم الخليج إلا إذا تضمنت قيوداً حقيقية على سلوك إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي الذي هو الاشد خطرا عليها حاليا من الملف النووي المعقد.

في الختام، ارى ان باكستان لا تبحث في وساطتها عن مجد دبلوماسي رمزي إنها خوض لمعركة بالوكالة عن أمنها الذاتي وبقائها الاقتصادي. فالاستقتال الباكستاني هو محاولة لترويض الجار الإيراني المشاكس، وإرضاء الحليف الأمريكي المتقلب، وقطع الطريق على الغريم الهندي المتربص، مع ضبط بوصلتها الدبلوماسية بدقة على ترددات المخاوف الأمنية لشريكها التاريخي الأكبر في الرياض.

المصدر : الكاتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى