النقد البناء حول الفساد / دحان ولد الطالب عثمان

استوقفني «النقد البناء» الذي قدمه الأستاذ أحمد سالم بوحبيني بشأن مكافحة الفقر وهو نقد ينسجم مع تعريف رئيس الجمهورية لهذا المفهوم خلال مؤتمره الصحفي الأخير، باعتباره نقدا لا يكتفي بتشخيص الخلل، بل يقترح أيضا بديلا عمليا لمعالجته.
فقد ذهب الأستاذ في تشخيصه إلى أن الدولة لا تستطيع مكافحة الفقر والفساد بفاعلية ما دامت تحتكر، بصورة شبه كاملة، الموارد والفرص الاقتصادية، مما يجعل الحصول عليها مرتبطا بالقرب من السلطة والتملق والوساطة والتحايل، بدلا من أن يقوم على الكفاءة والمنافسة والاستحقاق. وفي ظل هذا النموذج، لا تُنتج الثروة ولا تُوزع عبر آليات اقتصادية طبيعية وشفافة، بل من خلال قنوات تفتح المجال للمحاباة والزبونية والفساد.
أما البديل الذي اقترحه، فيتمثل في السعي إلى بناء قطاع خاص قوي ومستقل، قادر على خلق الثروة وتوسيع دائرة المستفيدين منها، من خلال توفير فرص العمل، وتشجيع المبادرات الخاصة، ودعم الاستثمار والإنتاج. ومن شأن ذلك أن يجعل الكسب والثراء ممكنين خارج دائرة التملق والنفاق والفساد، وأن يتيح للمواطن تحسين وضعه بفضل جهده وكفاءته، لا بفضل علاقاته ونفوذه وولاءاته.
الفكرة، في مجملها وجيهة، بل تكاد تكون بديهية والتشخيص واقعي. غير أن الإشكال لا يكمن، في تقديري، في جهل السلطات بمتطلبات الإصلاح فهي تدرك، على الأرجح، حدود النموذج القائم، وتعرف أن مكافحة الفقر والفساد تقتضي تحرير الاقتصاد، وتوسيع مجال المبادرة الخاصة، وتقليص احتكار الدولة للموارد والفرص.
لكن السؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى يمكن للسلطة أن تمضي في هذا الاتجاه، وهي تعلم أن ذلك قد يجردها من جزء مهم من أدوات نفوذها وتحكمها؟ فالتخلي عن قطاعات اقتصادية حيوية لصالح فاعلين مستقلين، أو فتحها أمام استثمارات أجنبية لا تخضع لتأثيرها، يعني تقليص قدرتها على توزيع الفرص والثروات وفق الولاءات، وتحويل الاقتصاد من أداة للضبط والاستقطاب إلى مجال تحكمه المنافسة والكفاءة والقانون.
ولذلك، فإن مثل هذا التحول الممثل في التخلي عن نظام ” الثدي الوحيد” يتطلب قدرا كبيرا من التجرد والوطنية والتضحية لأنه يقتضي من النظام أن يتنازل طوعا عن جل أدوات نفوذه، وأن يقدم المصلحة العامة والتنمية المستدامة على المكاسب السياسية الآنية، التي قد تكون حيوية بالنسبة له.




