الأخبارمقالات و تحليلات

العرب.. و” وهْم غِياب الأعداء / بقلم : خالد عمر بن ققه

كل الوقائع والشواهد والمعطيات في راهننا العربي؛ ببعده العالمي والإقليمي والوطني، تؤكد على اتساع دائرة العداوة بين الأمم والشعوب وداخل الدولة الواحدة، بل أنها تشمل المجتمع الواحد بما فيه من طبقات وفئات، ولم يستطع الحد منها وازع ديني ولا أخلاقي، ولم يَحُلْ من دون ظهورها واتساعها رادع قانوني، ولا حتى عنف الدولة المنظم.

وذاك يعدًّ ظاهرا من القول والفعل، بلغ حدّه الأقصى في الحروب الدائرة حاليا في عدد من المواقع، وفي الفتن المشتعلة في عدد من الدول، أو جيرانها بغض النظر عن الأسباب والدوافع، لكن حقيقة الأمر كما تتبدّى لي أننا نعاني من” وهم غياب الأعداء”، مع أن العداوة في تجلياتها الكبرى ضرورة لتحقيق الثنائيات المتناقضة التي هي من سنن الحياة، والتي تعطي لوجودنا معنى، من ذلك الموت والحياة، الخير والشر، الشك واليقين، الحق والباطل، النور والظلام، الهداية والضلال، إضافة إلى المحبة والعداوة وغيرها.

 

من المُهين والمُخيف والمُزعج في حياتنا العربية إقامة صحبة ومرافقة من الأعداء، والاتَّخاذ منهم أولياء من الذل، على النحو الذي نعيشه اليوم، في سياق شراكة غير مُطمْئِنة على انهاء أو تقليص عداوة معظم البشر للشيطان، وانهاء صفة العدو عن هذا الأخير، وهذه انتهت بنا إلى اعتبار الكيان الإسرائيلي دولة شرعيَّة، اعترفنا بوجودها ـ إلا قليلين منا ـ ثم تحول الاعتراف إلى انهاء للعداوة، مع أنها ـ إسرائيل ـ لم تغير موقفها، وتجاهر بالعداوة لنا.

 

ينطبق القول السّابق على علاقتنا بالولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك القوى الدولية الأخرى المؤثرة فينا، وفي كل المستضعفين، ما يعني أننا أمام ظاهرة مرضية يصعب علاجها، وتتعلق أساسا باستراتيجيّة الصراع وتطوره في المستقبل، خاصة عندما يتغير الأعداء كأن يغدو أعداء الأمس القريب أحبة واًصدقاء اليوم.

 

لا يعني الحذر من الآخرين ــ من منطلق أن العداوة قائمة من الأقربين بما في ذلك الأزواج والأولاد ــ تحويلها إلى صداقة، أو القول بلغة السياسية أنها” لا توجد عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، إنما هناك مصالح”، حتى لو تناقضت هذه الأخيرة من البعد القيْمي، أو كانت مناقضة للهدف من خلق الإنس والجن، الذي هو عبادة الله جلّ جلاله.

 

وفي حال إذا ما نظرنا إلى الأمر كله من زاوية المصالح وحدها، وذهبنا نحو تحقيقها بنفعيّة عالية، فإن العداوة هنا ـ بما تحمله من تنافس وصراع ـ تفرض علينا بقاءها باعتباره النقيض الحتمي للصداقة، خاصة وأنهما يتبدلان المواقع في العلاقات القائمة بين الأفراد والجماعات والشعوب والأمم، لهذا فإن السعي لتغييبها أو أنهاء وجودها يعدُّ ضربا من الوهم، ناهيك على أن الاخرين لا يحسبوننا ضمن الأصدقاء، بل لا يقيمون لعلاقتنا بهم وزْنا كما هو الأمر في كل مراحل التاريخ، إلا إذا كانت تعود بالنفع المباشر، الذي يحمل إذلالاً لنا نتيجة الضعف والهوان.

 

لا يقوم الطَّرح السّابق عن كشف لسر، أو تقديم تحليل للمصطلحات ومضامين الخطاب، أو تقييم للقرارات والمواقف السياسية، ذلك لأن صنّاع القرار ومعظم عناصر النخبة في دولنا العربية يدركون أن القول بالصداقة مع الآخر وانهاء العداوة قائم فقط لدينا، ومرفوض من الأعداء، حتى لو جاء خطابهم عكس ذلك، وأن فئة مناّ تنطلق في مواقفها من موقع العداوة وإن أظهرت خلاف ما تبطن.

 

وللخروج من أزمة وهم غياب الأعداء، علينا بداية الاعتراف بوجودها، والتّخلص من تطويع حالتنا الراهنة بما يخدم استمرار ذلنا وضعفنا وهواننا على الناس، وهذا بهدف تحقيق الإدراك والوعي بمعنى الوجود، بما يؤدي إلى ” التعارف” مع البشر، في ظل تدافع يحمل النقيضين معا ـ الصداقة والعداوة ـ أما الأخوة فهي رفيقة الإيمان، الذي يجعل أهله رحماء بينهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى