الأخبارمقالات و تحليلات

عندما يتحول المؤتمر الصحفي إلى منصة للتلقين! / نهلة حامد الجمال

نهلة حامد الجمال / إعلامية سعودية بارزة

ليس من حق أحد أن يختار للإعلامي سؤاله، أو أن يرسم له حدود مهنته، أو أن يفرض عليه ما يقول وما يصمت عنه. فالإعلامي لا يحضر المؤتمرات الصحفية بصفته ضيفًا يبحث عن الامتيازات، بل بصفته شريكًا في نقل الحقيقة، وممثلًا للرأي العام، وحاملًا لأمانة الكلمة.

ومن هنا، فإن أي محاولة لتقييد استقلالية الإعلامي أو فرض الوصاية عليه لا تمس شخصًا بعينه، وإنما تمس جوهر العمل الإعلامي، وتفرغ المؤتمرات الصحفية من رسالتها الأساسية القائمة على الحوار والشفافية وحرية السؤال المسؤول.

ورغم التطور الكبير الذي تشهده المملكة في صناعة الإعلام والترفيه وتنظيم الفعاليات وفق أعلى المعايير العالمية، إلا أن بعض الممارسات الفردية التي تصدر من بعض القائمين على تنظيم المؤتمرات الصحفية، خصوصًا المصاحبة للفعاليات الفنية والترفيهية، ما زالت بحاجة إلى مراجعة، لأنها لا تنسجم مع هذا التطور، ولا مع مفهوم الشراكة الحقيقية مع الإعلام.

ففي بعض المؤتمرات، يتحول دور المنظم من إدارة المؤتمر إلى تلقين الإعلاميين ما يجوز وما لا يجوز طرحه، وتُلقى التعليمات بصيغة الأوامر، ويُطلب من الجميع الالتزام بما يقرره شخص واحد، وكأن الإعلامي حضر لتلقي التعليمات لا لممارسة مهنته.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تصل بعض الممارسات إلى التلويح بحرمان الإعلامي من حضور الفعاليات المقبلة أو استبعاده من الدعوات الإعلامية إذا لم يلتزم بتلك التوجيهات، أو إذا طرح سؤالًا لا ينسجم مع ما يرغب بعض المنظمين في تداوله. وهذا الأسلوب لا يعكس احترافية العمل الإعلامي، بل يخلق بيئة من الرقابة الذاتية والخوف، ويفقد المؤتمر الصحفي قيمته بوصفه مساحة للحوار لا منصة للإملاء.

ولا أحد يختلف على أهمية التنظيم، واحترام وقت المؤتمر، وترتيب آلية طرح الأسئلة بما يحقق العدالة بين وسائل الإعلام، لكن التنظيم شيء، والوصاية على الإعلامي شيء آخر تمامًا. فالإعلامي المهني لا يحضر ليكرر البيان الصحفي، وإنما ليبحث عن المعلومة، ويطرح الأسئلة التي تهم الجمهور في إطار من الاحترام والمهنية.

كما أن العلاقة بين الجهات المنظمة والإعلاميين يجب أن تقوم على العدالة والمهنية، لا على العلاقات الشخصية أو الاجتهادات الفردية. فلا ينبغي أن يُكافأ إعلامي أو يُستبعد آخر بناءً على الانطباعات الشخصية، أو القبول والرفض، أو الاختلاف في وجهات النظر، لأن الدعوات الإعلامية ليست امتيازًا شخصيًا يمنحه موظف علاقات عامة لمن يشاء، وإنما مسؤولية مهنية يجب أن تُدار وفق معايير واضحة وعادلة تكفل تكافؤ الفرص واحترام جميع الإعلاميين.

إن شخصنة التعامل مع الإعلاميين، أو استخدام الدعوات والتغطيات وسيلة للثواب والعقاب، يسيء أولًا إلى الجهة المنظمة قبل أن يسيء إلى الإعلامي، لأنه يخلق انطباعًا بأن معيار الحضور ليس الكفاءة المهنية، بل المزاج الشخصي، وهو ما يتعارض مع مبادئ الحوكمة والاحترافية التي تتبناها مؤسساتنا الوطنية.
والجهات الواثقة من رسالتها لا تخشى السؤال المهني، ولا تنظر إلى الإعلامي باعتباره خصمًا، بل تعتبره شريكًا في نجاح الحدث، لأن السؤال الاحترافي يمنح المسؤول فرصة للتوضيح، ويمنح الجمهور حقه في المعرفة.
إن احترام الإعلام يبدأ باحترام الإعلامي، واحترام الإعلامي يبدأ بحماية استقلاليته، وعدم ممارسة أي وصاية على أسئلته أو آرائه، ما دام ملتزمًا بالأنظمة وأخلاقيات المهنة. فالمؤتمر الصحفي الحقيقي ليس ذلك الذي يخلو من الأسئلة الصعبة، وإنما الذي يتسع لها، ويجيب عنها بثقة وشفافية.

وفي ظل ما تعيشه المملكة من نهضة إعلامية وترفيهية غير مسبوقة، فإن المرحلة تتطلب تعزيز ثقافة الشراكة بين الجهات المنظمة ووسائل الإعلام، والابتعاد عن الممارسات الفردية التي لا تمثل هذا التطور. فالإعلام الحر والمسؤول ليس عقبة أمام نجاح الفعاليات، بل أحد أهم أسباب نجاحها، وحماية استقلالية الإعلامي ليست مطلبًا شخصيًا، وإنما ضمانة لمهنية الرسالة الإعلامية، واحترام حق المجتمع في الوصول إلى المعلومة.

 

المصدر : المدينة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى