الأخبارمقالات و تحليلات

الأكاديمي العراقي د.كريم فرمان يكتب : معادلة القوة في عالم مضطرب ..  التحالفات الدولية كرافعة للسيادة و تحصين الأمن القومي

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقا

1. مقدمة:

كنت منذ مدة عزمت على كتابة هذا المقال رغبة في تعميق الواقعية في فهم عناصر السياسة الدولية في زمننا الحاضر،  وردا على بعض المؤدلجين الذين يعتبرون التحالفات تنتقص من سيادة ومكانة الدولة، أن إعادة تعريف القوة في بيئة دولية فوضوية اذ لم يعد أمن الدول واستقرارها في عالم اليوم نتاجًا منعزلًا لقدراتها الذاتية الفردية، بل أضحى ثمرة مباشرة لشبكة علاقاتها وتحالفاتها الإستراتيجية.

 

إن العلاقات الدولية المعاصرة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا نعيش في “زمن التحالفات” بامتياز؛ حيث لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت عناصر قوتها الصلبة (Hard Power)، أن تعيش في جزيرة معزولة. إن التحالفات السياسية والعسكرية ليست مجرد خيار دبلوماسي عابر، بل هي مظهر بنيوي عميق من مظاهر العلاقات الدولية (International Relations)، وضرورة حتمية لتعزيز مفهوم الأمن القومي الشامل (Comprehensive National Security). في بيئة دولية تتسم بالفوضى وغياب سلطة مركزية ناظمة، تبرز التحالفات كأداة عقلانية حتمية لحشد عناصر القوة وتوزيع تكاليف الحماية والمواجهة.

 

2. أطروحة البروفيسور تيري رامسي: التحالف كمرآة لوزن الدولة Professor Terry Ramsey’s Thesis: Alliance as a Mirror of State Stature
تتجلى حقيقة المشهد الدولي في المقولة الشهيرة لبروفيسور القانون والعلوم السياسية الراحل في جامعة بنسلفانيا، تيري رامسي: “قل لي من هم حلفاؤك، سأحدثك عن مركزك على الساحة الدولية”. هذه العبارة تختزل فلسفة واقعية عميقة؛ فالتحالفات القائمة على مبادئ واضحة ومصالح مشتركة متقاطعة لا تنتقص مطلقًا من سيادة الدولة أو قيمتها الاستراتيجية، بل هي “مُضاعِف قوة” (Power Multiplier) يضيف إلى وزنها الجيوسياسي (Geopolitical Weight) أبعادًا جديدة تفرض احترامها على الخصوم والمنافسين. وعالم اليوم هو عالم الأقوياء والتكتلات، والتحالف الذكي هو الذي يحول الدولة من طرف هامشي إلى رقم صعب في المعادلات الإقليمية والدولية.

 

3. المقاربة الواقعية: التحالفات كآلية عقلانية في بيئة دولية فوضوية

تستمد أطروحة أهمية التحالفات وجاهتها الأكاديمية من عمق «النظرية الواقعية» (Realist Theory) بمختلف تفرعاتها (الكلاسيكية والبنيوية)، والتي تقدم التفسير الأكثر تماسكًا لسلوك الدول في البيئة الدولية. تنطلق الواقعية من فرضية أساسية مفادها أن النظام الدولي يتسم بـ «الفوضى البنيوية» (Structural Anarchy)؛ والمقصود بالفوضى هنا ليس الفوضى السلوكية، بل غياب سلطة مركزية عليا (Supranational Authority) فوق الدول تمتلك احتكار أدوات الإكراه وتستطيع فرض القانون وحماية الأعضاء.

في ظل هذا النظام، يصبح مبدأ «العون الذاتي» (Self-Help Principle) هو القاعدة الحاكمة؛ فكل دولة مسؤولة بشكل حصري عن حماية بقائها وصيانة أمنها القومي. وهنا تبرز التحالفات الدولية كأداة عقلانية حتمية لإدارة الصراع وتحقيق الأمن، وتتجلى هذه الديناميكية عبر ثلاث ركائز واقعية رئيسية:

 

* ميزان القوة (Balance of Power): يرى منظر الواقعية البنيوية “كينيث،، والتز” (Kenneth Waltz) أن الدول، مدفوعة بغريزة البقاء، تلجأ إلى خيارين لتوازن القوى المهدِّدة لها: إما بناء قدراتها العسكرية الذاتية (التوازن الداخلي – Internal Balancing)، أو تشكيل تحالفات عسكرية وسياسية مع دول أخرى (التوازن الخارجي – External Balancing). فالتحالف هنا هو وسيلة حسابية لتجميع أوراق القوة لردع أي طرف طامح للهيمنة.

 

* ميزان التهديد (Balance of Threat): يطور “ستيفن والت” (Stephen Walt) هذه الأطروحة مؤكدًا أن الدول لا تتحالف فقط ضد القوة المجردة، بل ضد «التهديد المُدرك» (Perceived Threat). وتتحدد درجة التهديد بناءً على القوة الإجمالية للخصم، وقربه الجغرافي، وقدراته الهجومية، ونواياه العدوانية. بناءً عليه، يصبح التحالف الإستراتيجي درعًا استباقيًا لتحييد مصادر التهديد الوجودية.

* المعضلة الأمنية وسراب المثالية (The Security Dilemma & Idealism): تدحض الواقعية السياسية الرهان على “المثالية القانونية” (Legal Idealism) أو “الليبرالية المؤسساتية” (Institutional Liberalism) المتمثلة في الأمم المتحدة والمواثيق الدولية. فالقانون الدولي في المنظور الواقعي ليس سوى انعكاس لموازين القوى على الأرض؛ حيث تملك الدول الكبرى القدرة على صياغته، أو توظيفه، أو حتى القفز فوقه إذا تعارض مع مصالحها الحيوية.

إن التحالف القائم على قواعد واضحة ومصالح متقاطعة لا يمثل استلابًا لسيادة الدولة، بل هو ممارسة واعية وعقلانية لهذه السيادة؛ إذ تدرك الدولة الواقعية أن تكلفة الانعزال في عالم الأقوياء تعني الانتحار الإستراتيجي، وأن التحالف الذكي هو الأداة الأنجع لتحويل الضعف النسبي إلى قوة ردع جماعية حاسمة.

 

4. سراب القوانين الدولية وحتمية الواقعية السياسية (نموذج غزو العراق 2003)

تثبت الشواهد التاريخية المفصلية أن رجل الدولة الحذق لا يمكنه الركون مطلقًا إلى ترسانة القوانين الدولية، أو العهود المكتوبة، أو مظلة الأمم المتحدة كضمانة وحيدة وأزلية لحماية أمنه القومي. فعندما تصطدم النصوص القانونية بالمصالح الحيوية للقوى العظمى، تُداس القوانين والمواثيق وتُهمش المؤسسات الدولية بتطبيق فج لمفهوم الواقعية السياسية (Realpolitik).

ويظل الغزو الأمريكي-البريطاني للعراق عام 2003 النموذج الأبرز في التاريخ الحديث على قصور النظام الدولي؛ حيث تجاوزت إدارة بوش وحكومة بلير مجلس الأمن الدولي (UN Security Council) والشرعية الأممية بالكامل لتنفيذ أجندة استراتيجية أحادية الطابع (Unilateral). هذا الدرس القاسي يفرض على الدول صياغة شبكة تحالفات دفاعية وسياسية متينة قادرة على الردع، بدلاً من الاعتماد على عدالة دولية نظرية لا تملك أنيابًا تحميها.

 

5. شواهد من التاريخ الحديث: (التحالفات كدروع واقية ومحصنة)

لقد كان للتحالفات الدولية دور حاسم في تحصين الدول وحمايتها من الانكسار أو الاندثار أمام الأطماع الخارجية، ومن أبرز هذه الأمثلة:

 

* حلف شمال الأطلسي (NATO): يمثل النموذج الأكثر نجاحًا في التاريخ الحديث للتحالفات الدفاعية؛ حيث نجح في ردع الاتحاد السوفيتي طوال الحرب الباردة، وحمى دول أوروبا الغربية (ثم الشرقية لاحقًا) من أي توغل أو عدوان عسكري بفضل مبدأ “الدفاع الجماعي” (Collective Defense) المنصوص عليه في المادة الخامسة من ميثاقه.

 

* حرب تحرير الكويت (1991): تجسيد حي لكيفية مساهمة تحالف دولي عريض (International Coalition) في استعادة سيادة دولة تعرضت للاحتلال الكامل، وإعادة رسم خطوط الأمن القومي في المنطقة استنادًا إلى تقاطع المصالح الحيوية للدول المشاركة وتفعيل آليات الردع الجماعي.

 

* عقيدة الأمن الأمريكية في المنطقة العربية والعالم (US Security Doctrine): حتى الولايات المتحدة الأمريكية —باعتبارها القوة الأعظم في العالم— لا تتحرك منفردة، بل تتحدث أدبياتها السياسية دائمًا عن “أمن حلفائها” في المنطقة العربية، وشرق آسيا، وأوروبا. هذا الاعتراف الأمريكي المستمر يثبت أن قيادة النظام الدولي وإسقاط القوة (Power Projection) يتطلبان شركاء إقليميين موثوقين وقواعد ارتكاز مشتركة.

 

6. خاتمة:( نحو إستراتيجية تحالفية مرنة وضامنة للمستقبل)

تأسيسًا على ما تقدم، يمكن القول إن التحالفات الدولية ليست ترفًا سياسيًا بل هي درع السيادة وصمام أمان الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين. إن الدولة التي ترفض الانخراط في تحالفات متوازنة تفرط طواعية في أوراق قوة حاسمة، وتترك نفسها عارية أمام عواصف الجغرافيا السياسية.

 

الخــــــــاتمة

الخاتمة الاستراتيجية التي يجب أن تعيها النخب الحاكمة هي أن القوانين الدولية تحمي الضعفاء في أوقات السلم فقط، لكن التحالفات القوية هي التي تحمي الدول في أوقات الحرب والأزمات.

إن صياغة تحالفات مرنة تقوم على الندية، والمصالح المتبادلة، والوضوح الإستراتيجي (Strategic Clarity)، هي الضمانة الوحيدة للبقاء والازدهار في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء وتكتلاتهم.

 

المصدر : الكاتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى