الأخبارتقارير ودراساتعربي و دولي

“اتفاقية مكة” للدفاع المشترك.. تحالف تكاملي يعيد صياغة توازنات الأمن الإقليمي

خبراء لـ"الشرق": الاتفاق يتجاوز الجوانب الدفاعية ويستند للتفاهمات السياسية بين السعودية وتركيا وباكستان

الصدى (الشرق)- تفتح “اتفاقية مكة” للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الباب أمام مرحلة جديدة في ترتيبات الأمن الإقليمي، في ظل تصاعد التهديدات والتوترات التي تشهدها المنطقة.

وتتجاوز الاتفاقية، التعاون العسكري التقليدي، لتشمل الردع المشترك، وتعزيز القدرات الدفاعية والتكامل العسكري بين الدول الثلاث، مع رسائل سياسية وأمنية، بالإضافة إلى الانفتاح على إمكانية انضمام دول أخرى مستقبلاً.

ردع استراتيجي وأمن جماعي

الأمين العام المساعد للشؤون السياسية بجامعة الدول العربية سابقاً، خالد الهباس، خلال حديثه لـ”الشرق”، اعتبر “تحالف مكة“، “تحالفاً رادعاً يحمل كثيراً من المضامين والرسائل”، ويشكل تحولاً جوهرياً ونوعياً في مقاربات الأمن الإقليمي، كونه يحمل رسالة “ردع استراتيجي”.

وأضاف في مقابلة مع “الشرق”، أن “السلام أحياناً لا يتحقق من خلال الدبلوماسية والمفاوضات، فإذا كانت المنطقة مضطربة، فقد يأتي الأمن والاستقرار من خلال الردع الاستراتيجي”، مشيراً إلى أن “هذه الاتفاقية ترسل هذه الرسالة بوضوح”.

ويتفق الخبير العسكري والاستراتيجي السعودي فيصل الحمد مع هذا الطرح، موضحاً أن “تحالف مكة” يهدف إلى تعزيز الردع وإبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً، وأنه “ليس مجرد تكتل عسكري صلب قد يُفهم على أنه موجه ضد دولة أخرى أو للتحكم في بعض المصالح أو الدول الأخرى”.

وأضاف الحمد أن تركيا عضو في مجموعة العشرين وحلف الناتو، وتمتلك “قدرات عسكرية وتصنيعية لا يُستهان بها، كما أنها من الدول الرائدة في الصناعات الجوية والبحرية”، بينما تمتلك باكستان “قدرات عسكرية وخبرة في الهندسة العكسية للصناعات الدفاعية، إلى جانب خبرتها في مكافحة الإرهاب”، مستنداً إلى أن أحد أهداف التحالف هو تحقيق التكامل في مجال الردع، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية، إلى جانب التعاون في مجال الصناعات الدفاعية والبحث والتطوير، واصفاً الاتفاقية بأنها “أهم اتفاقية للعالم الإسلامي منذ عام 1948″، في منطقة مضطربة أمنياً منذ عام 1979.

ومن وجهة نظر باكستانية، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي وقار خان، أن الاتفاق “يؤسس لمرحلة عملية من التعاون الدفاعي، تشمل التشغيل البيني والتدريب المشترك، مع قابلية التوسع مستقبلاً وانضمام دول أخرى”.

ويشير رئيس مؤسسة مبادرة المستقبل للبحوث السياسية في إسلام آباد، حمزة رفعت، إلى أن الاتفاق الجديد يتعلق بـ”الأمن الجماعي للدول الثلاث”، في ظل وجود تهديدات للممرات المائية، بينها التهديد في باب المندب من جانب الحوثيين الذين يتطلعون إلى خنق الممرات.

ويضيف رفعت أن باكستان تعتبر أن “أي خرق لأمن السعودية، خرق لأراضيها”، معتبراً أن طبيعة الاتفاق الجديد توسع نطاق التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث.

ثقل دولي يتجاوز الجغرافيا

ولا يقتصر ثقل الدول الثلاث، بحسب الأمين العام المساعد للشؤون السياسية بجامعة الدول العربية سابقاً، خالد الهباس، على الجانب العسكري، وإنما يمتد إلى الوزن الاقتصادي والجيوسياسي. إذ يشير إلى أن “التحالف يضم ثلاث دول عسكرية كبرى”، يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي لها مجتمعة نحو 3.4 تريليون دولار، فيما يصل عدد سكانها إلى نحو 380 مليون نسمة، فضلاً عن اعتبارات جيوسياسية مرتبطة بالموقع الجغرافي لكل دولة.

ويضيف الهباس أن هناك كذلك “ثقلاً سياسياً ومشروعية سياسية تحظى بها هذه الدول على الصعيدين الإقليمي والدولي”، لافتاً إلى أن الدول الثلاث معروفة بأنها “ليست دولاً عدوانية”، كما أنها لا تتدخل في شؤون الدول الأخرى.

وفي قراءة تركية لأهمية هذا التشكيل الثلاثي، يرى هشام جوناي، المحلل والكاتب الصحافي التركي، أن ما تضيفه تركيا إلى الاتفاقية يتمثل في بُعد جغرافي وعسكري مهم، إذ أن جزءاً من الأراضي التركية يقع داخل القارة الأوروبية، وهو ما يمنح الاتفاقية بُعداً أوروبياً إضافياً، فضلاً عن كون تركيا عضواً في الناتو.

ويعتبر جوناي خلال حديثه لـ”الشرق”، أن عضوية تركيا في الحلف تضيف إلى الاتفاقية “قيمة إضافية”، بالنظر إلى القدرات العسكرية والسياسية التي تتمتع بها أنقرة وموقعها بين أوروبا وآسيا.

ويشير الكاتب التركي، إلى أن أنقرة تعوّل كذلك على الدور السعودي، وعلى الموقع المهم الذي تحتله المملكة في السياسة العربية والإقليمية.

أما على المستوى الآسيوي، فيرى جوناي، أن باكستان تمثل عنصراً أساسياً في الحسابات التركية، مشيراً إلى وجود اتفاقية دفاع مشترك قديمة بين تركيا وباكستان، وإلى الأهمية الاستراتيجية لموقع باكستان، باعتبارها دولة حدودية مع الصين وإيران.

ويرى المحلل السياسي السعودي جاسر الجاسر، أن “اتفاقية مكة” “ستغير الشرق الأوسط بالكامل”، لأنها “ليست مقتصرة على الجوانب الدفاعية”، وإنما تقوم على “طبيعة العلاقات والتفاهمات بين الدول الثلاث”، ولا تستند فقط إلى التواصل الجغرافي أو الروابط الاقتصادية.

إعادة صياغة التوازنات الإقليمية

ويرى خالد الهباس، أن الاتفاقية يمكن أن يكون لها “أثر إيجابي في الأمن والاستقرار الإقليمي”، خصوصاً أن منطقة الشرق الأوسط “كانت وما زالت مسرحاً لكثير من التجاذبات بين القوى الدولية”.

ويشير في هذا السياق إلى إسرائيل والولايات المتحدة، وإلى وجود توجه نحو شرق أوسط جديد يراد من خلاله “تخطيط المنطقة وفق مصالح هذه الأطراف”، معتبراً أن الاتفاقية “تشكل نقلة نوعية لصياغة التوازنات الإقليمية بشكل قائم على الردع الاستراتيجي”.

بينما يرى المحلل التركي هشام جوناي، أن أهمية الاتفاق لا تنفصل عن الأدوار الإقليمية للدول الثلاث؛ فتركيا تضيف البعد الأوروبي والعسكري المرتبط بعضويتها في الناتو، والسعودية تمنح الاتفاق ثقلاً عربياً وإقليمياً، بينما تضيف باكستان بعداً آسيوياً بالغ الأهمية، بحكم موقعها وعلاقاتها الدفاعية والتاريخية مع تركيا.

أما المحلل السعودي جاسر الجاسر، فيرى أن الاتفاقية لا تمثل قطيعة مع الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بل “تكاملاً معها”، معتبراً أنها قد تحمل كذلك انعكاسات سياسية على القضية الفلسطينية.

وفي السياق ذاته، يرى المستشار الإعلامي لمجلس الوزراء التركي سابقاً، جاهد توز، أن من أبرز مظاهر “اتفاق مكة” للدفاع المشترك، الرسائل التي يوجهها قادة الدول الثلاث.

وقال توز، في حديثه لـ”الشرق”، إنه “عند النظر إلى مستوى العالم الإسلامي والسياسات التي اتبعتها إسرائيل والولايات المتحدة، فإن العالم الإسلامي أصبح مستهدفاً” من أطراف تتعامل مع إسرائيل، على حد وصفه.

واعتبر أن “هذا الاتفاق يمثل تعاوناً ورفضاً للنظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية”.

وكيل وزارة الخارجية السعودية للدبلوماسية العامة، السفير رائد قرملي، كان قد أكد في أعقاب توقيع الاتفاقية، أنها “لا تمثل أي توجه لبناء محور عسكري أو تكتل طائفي/مذهبي، وهي ليست مرتبطة بمساعٍ نووية أو سباق تسليح، بل ببناء قدرات ذاتية مستدامة”، مشيراً إلى أنها “لا تأتي على حساب علاقات المملكة الاستراتيجية والقوية خليجياً وعربياً ودولياً، وليست تهديداً لأمن أي دولة في المنطقة، ولا تصعيداً في التوتر بين أي دولتين”.

وشدد قرملي، على أن “هذه الاتفاقية لا تلغي أو تحل محل أي اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف بين هذه الدول أو مع الأطراف الأخرى من الدول والمنظمات”.

 الأمن والتنمية

ولا تنفصل الاتفاقية، وفق قراءات الخبراء، عن الأولويات الاقتصادية والتنموية التي تضعها السعودية في صدارة سياساتها.

فالهباس يؤكد أن هناك علاقة وثيقة بين الأمن والتنمية، قائلاً: “لن يتم تحقيق التنمية من دون الأمن والاستقرار، وهذا ما تركز عليه السعودية”، بما يضمن بيئة إقليمية مستقرة تتماشى مع “رؤية 2030” وخطط التنمية الاستراتيجية.

ويشير إلى أن المملكة بادرت وأنشأت الكثير من الأطر الأمنية والدفاعية، مثل اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك الموقعة في البحرين عام 2000، و”درع الجزيرة” في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وتحالف دعم الشرعية في اليمن عام 2015، وأخيراً التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي تستضيفه المملكة.

كما يشير الهباس إلى أن المملكة “لديها أيضاً علاقات استراتيجية مع دول غربية عديدة، بما في ذلك الولايات المتحدة”، مؤكداً أن “كل هذا يكمل بعضه بعضاً، ولا يأتي على حساب الاتفاقيات الثنائية والمتعددة بين هذه الدول، وإنما يكملها”.

وتتقاطع هذه الرؤية مع وجهة مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الملك سعود، الذي يرى أن القضية الأساسية تتمثل في الأمن الإقليمي، الذي تترتب عليه قدرة المنطقة على تحقيق مشاريعها التنموية والاقتصادية.

ويؤكد المطيري في حديثه لـ”الشرق”، أن توقيت “اتفاقية مكة” للدفاع المشترك، لا يمكن فصله عن التحديات الأمنية الكبرى التي تشهدها المنطقة، ومنها حرب إيران وتهديدات الحوثيين، إلى جانب السيناريوهات الأمنية المطروحة، خصوصاً من الجانب الإسرائيلي.

ويشير إلى أن الدول الثلاث حليفة لواشنطن، “لكن لديها استقلالية في قراراتها السياسية”، وهو ما قد يدعم فرص نجاح الاتفاقية.

ولا تقتصر دلالات الاتفاقية، وفق الخبراء، على بنودها العسكرية، وإنما تمتد إلى توقيتها ورمزية المكان والرسائل السياسية التي تحملها.

فمن وجهة نظر توز، يعكس الاتفاق، في أحد أبعاده، رغبة في إعادة صياغة موقع العالم الإسلامي ضمن النظام الدولي.

وفي المقابل، يؤكد الحمد أن الاتفاق ليس موجهاً ضد دولة بعينها، وإنما يهدف إلى تعزيز الردع وإبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً، فيما يرى المطيري أن الهدف الأساسي يتمثل في حماية الأمن الإقليمي وتهيئة الظروف المناسبة للتنمية والمشاريع الاقتصادية.

ويشير الخبير العسكري والاستراتيجي الباكستاني وقار خان، إلى أن المنطقة تشهد “زعزعة كبيرة لاستقرارها”، وأن بعض دول الخليج أصبحت تؤدي دوراً قيادياً، بينما توجد دول أخرى لها مطامع وتقوم بمهاجمة الملاحة في المضائق.

ومن وجهة النظر الأمنية الباكستانية، يقول خان، إن الاتفاق “يرتكز على الثقة والأخوة”، مشيداً بجهود الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في الجمع بين الدول الثلاث في “اتفاق مكة”.

ويضيف أن “الجيش السعودي قوي، وقدراته من حيث الإمكانيات جيدة جداً، ومن الجيد أن يتعاون هذا الجيش مع تركيا وباكستان”، موضحاً أن “الرسالة الكامنة خلف الاتفاق هي أن الهجوم على إحدى الدول الثلاث سيُعتبر هجوماً عليها جميعاً”، وأن “الرد سيكون مناسباً ويعتمد على نوع التهديد”.

بين محدودية العضوية وإمكانية التوسع

وبشأن إمكانية توسيع “اتفاقية مكة” وانضمام دول أخرى، يوضح المساعد للشؤون السياسية بجامعة الدول العربية سابقاً خالد الهباس، أن “هذه اتفاقية دفاع مشترك، وليست تكتلاً أو تحالفاً، وبالتالي فإن العضوية محدودة، لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن أن تنضم دول أخرى”.

ويشير إلى جوانب قانونية وإجرائية في هذا الملف، قائلاً إنه “إذا طلبت أي دولة الانضمام، فسيتم دراسة الأمر”، لكنه يستدرك بأن الاتفاقية قد تشير إلى إمكانية ذلك، بينما “توسيعها قد لا يخدم الأهداف التي ترمي إلى تحقيقها”.

وفي المقابل، يرى وقار خان، أن الاتفاق يحمل “قابلية للتوسع مستقبلاً وانضمام دول أخرى”.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في وقت سابق، الجمعة، أن الاتفاقية “تظل مفتوحة أمام الدول (الشقيقة) الساعية إلى تحقيق السلام والرخاء والاستقرار في المنطقة”

“ناتو” إقليمي

وتبرز في النقاش حول الاتفاقية مقارنات بحلف شمال الأطلسي، خصوصاً فيما يتعلق بمبدأ الدفاع الجماعي.

ويرى المستشار الإعلامي لمجلس الوزراء التركي سابقاً، جاهد توز، أن البند الأخير في الاتفاقية يشبه المادة الخامسة من معاهدة حلف الناتو، معتبراً أن هذه الاتفاقية “تؤسس لناتو على المستوى الإقليمي”.

ويكتسب هذا الطرح أهمية إضافية في ضوء عضوية تركيا في الناتو، وهو ما يمنح الاتفاق، بحسب المحلل التركي هشام جوناي، بعداً أوروبياً، ويضيف إلى الاتفاق قيمة استراتيجية تتجاوز حدود الدول الثلاث.

لكن الحمد يلفت إلى أن طبيعة “تحالف مكة” مختلفة، فهو، بحسب وصفه، “ليس مجرد تكتل عسكري صلب”، وإنما تحالف تكاملي يجمع بين القدرات العسكرية والتصنيعية والخبرات المختلفة للدول الثلاث.

ومن الجانب الباكستاني، يركز رفعت على مفهوم الأمن الجماعي، في ظل التهديدات التي تواجه الممرات المائية، والسيناريوهات الأمنية المختلفة في المنطقة، بما فيها التهديد الإسرائيلي، الذي يصفه بأنه يمثل “تهديداً أمنياً وجودياً للدول الثلاث”. ويرى رفعت أن هذا الواقع “يوسع نطاق اتفاقية الدفاع، ويبرز أهمية التعاون بين أنقرة وإسلام آباد والرياض”.

 

المصدر 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى