محمد أركون: “نحن لا نزال نعيش في العصر الوسيط، وعقليتنا لا تزال قروسطية”
يُطلق الفيلسوف محمد أركون في هذه المقولة حكما تشخيصيا على بنية العقل العربي والإسلامي المعاصر. ويقصد أركون بها تحليل البنية الإبستمولوجية للعقل، حيث يرى أن المجتمعات العربية تعيش مفارقة تاريخية، فتستهلك تقنيات العصر الحديث بينما تظل آليات تفكيرها محكومة بمحددات عصور ما قبل الحداثة.
فسيادة الفكر الأسطوري والغيبي على التفسير العقلاني السببي للظواهر هي إحدى السمات التي يرصدها أركون في العقلية القروسطية. ويعتمد هذا العقل في إنتاجه المعرفي على سلطة النقل وتقديس السلف، ويفتقر إلى “الوعي التاريخي” الذي يتعامل مع الأحداث والنصوص كمنتجات محكومة بظروفها الزمانية والمكانية.
يُبرز أركون أن المجتمعات الغربية تمكنت من الخروج من عصرها الوسيط عبر سلسلة من الثورات الفلسفية، بدءا من الكوجيتو الديكارتي ووصولا إلى الفلسفة الكانطية، التي وضعت “الإنسان” و”العقل” مرجعيتين لتقييم الحقيقة. في المقابل، تكلست البنية الفكرية الإسلامية داخل ما يسميه أركون بـ “السياج الدوغمائي”، حيث أُغلقت أبواب الاجتهاد الفلسفي، وتكرس نموذج معرفي لا يتجاوز حدود الشروح والملخصات.
يؤكد أركون أن استعارة المظاهر السياسية والتقنية من الغرب لا تكفي لإحداث التجاوز المطلوب، وأن الخروج من العصر الوسيط يتطلب تفكيكا لبنية العقل التقليدي. ويدعو إلى توظيف أدوات “الإسلاميات التطبيقية” لخلخلة اليقينيات المطلقة، وإخضاع المقدس والنصوص التراثية للمساءلة الفيلولوجية، أي المنهج التاريخي اللغوي.
هذا الطرح دعوة إلى نزع القداسة الزائفة عن التراث البشري، والاعتراف بأن الكثير مما نعتبره ثوابت عقائدية هو في الحقيقة نتاج تفاعلات سياسية واجتماعية تعود للعصر الوسيط، ولا سبيل للالتحاق بركب الحداثة إلا بتجاوز هذا النموذج الإدراكي وتأسيس عقلانية نقدية معاصرة.




