الأخبارقضايا الصحة

لقاح لعلاج أخطر سرطانات الجلد.. ماذا تكشف نتائج التجارب السريرية؟

على غرار تقنية كورونا.. "موديرنا" و"ميرك" تطوران لقاحاً لعلاج الميلانوما

بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجارب على استخدام تقنية الحمض النووي الريبي المرسال mRNA لمكافحة الأورام، حقق لقاح طورته شركتا “موديرنا” و”ميرك” نتائج جيدة ضد الميلانوما، أخطر أنواع سرطان الجلد، في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية.

 

ورغم أن النتائج تعزز آمال المصابين بهذا النوع الخطير من السرطان، فإن العلاج لم يحصل بعد على الموافقات التنظيمية، فيما لا تزال البيانات التفصيلية لأحدث التجارب ونتائج البقاء على قيد الحياة قيد الانتظار.

 

وأظهر الإعلان الأولي أن إضافة العلاج المعروف باسم Intismeran Autogene إلى عقار العلاج المناعي Pembrolizumab، المعروف تجارياً باسم Keytruda، حسّنت بشكل ملحوظ المدة التي يعيشها المرضى دون عودة السرطان، وكذلك المدة دون انتشاره إلى أجزاء أخرى من الجسم، مقارنة باستخدام Keytruda وحده.

 

ويمثل ذلك أول نجاح لعلاج سرطاني شخصي قائم على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال mRNA في تجربة من المرحلة الثالثة، وهي المرحلة التي تسبق عادة طلب الموافقات التنظيمية. 

 

ولا يعطى هذا اللقاح  للأشخاص الأصحاء بهدف منع إصابتهم بالميلانوما، كما تفعل لقاحات الحصبة أو الإنفلونزا، وإنما يتم تقديمه لمريض أصيب بالسرطان وخضع لإزالة الورم جراحياً، بهدف تدريب جهازه المناعي على اكتشاف الخلايا السرطانية المتبقية والقضاء عليها قبل أن تنمو من جديد.

 

ويصنف المعهد الأميركي للسرطان هذه الوسائل بـ”لقاحات علاجية” للسرطان، وليس “لقاحات وقائية”.

 

العلاج المركب يحقق هدفاً رئيسياً

 

شملت تجربة المرحلة الثالثة، المسماة (INTerpath-001)، 1137 مريضاً مصاباً بميلانوما جلدية من المراحل الثانية والثانية المتقدمة والثالثة والرابعة والمعروفين باسم IIB وIIC وIII وIV.

وكانت أورام المرضى قد أزيلت بالكامل جراحياً، ولم يكونوا قد تلقوا علاجاً جهازياً -مناعياً أو كيميائياً أو موجهاً أو هرمونياً، سابقاً. 

وتم تقسيم المشاركين بين مجموعة حصلت على Intismeran مع pembrolizumab ومجموعة حصلت على pembrolizumab وحده.

وفي تحليل مرحلي محدد مسبقاً، حقق العلاج المركب، الهدف الرئيسي الخاص بالبقاء دون عودة المرض، كما حقق هدفاً يتعلق بالبقاء دون انتقال السرطان إلى أعضاء بعيدة في الجسم.

 

ولم تظهر، وفق الشركتين، إشارات سلامة جديدة، فيما لا يقدم الإعلان حتى الآن رقماً يحدد بكم في المئة انخفض خطر عودة السرطان في تجربة المرحلة الثالثة.

 

وستستمر متابعة المشاركين في التجارب لمعرفة أثر العلاج وإمكانية أن يعيش المرضى الذين يحصلون على اللقاح لفترة أطول.

 

وتعتزم الشركتان عرض النتائج التفصيلية في اجتماع طبي دولي ومناقشتها مع الجهات التنظيمية. ولهذا فالنتيجة الحالية مهمة للغاية، لكنها تظل “نتائج أولية عليا” وليست الصورة العلمية النهائية للتجربة.  ولم تنشر البيانات الكاملة في مجلة علمية محكمة بعد.

 

تكمن غرابة Intismeran في أنه ليس منتجاً واحداً مطابقاً لجميع المرضى، فمن الناحية العملية، يصنع دواء مختلف لكل مريض.

 

فبعد إزالة الورم جراحياً، يأخذ الباحثون عينة منه ويحللون مادته الوراثية ويقارنونها بخلايا المريض الطبيعية. وتكشف هذه المقارنة الطفرات الموجودة داخل الخلايا السرطانية وحدها.

 

وبعض تلك الطفرات يؤدي إلى إنتاج بروتينات غير طبيعية تظهر أجزاء منها على سطح الخلية، وتعرف باسم المستضدات الجديدة، وهي بمثابة علامات جزيئية يمكن أن يستخدمها جهاز المناعة للتمييز بين الخلية السرطانية والخلايا الطبيعية.

 

وتستخدم شركة “موديرنا” بعد ذلك أنظمة حاسوبية وأدوات ذكاء اصطناعي لتقدير أي من هذه المستضدات الجديدة لديه الاحتمال الأكبر لإثارة استجابة مناعية قوية. ويختار عدد منها ليكتب “تعليمه الجيني” داخل جزيء الحمض النووي الريبي المرسال، ويستطيع اللقاح ترميز ما يصل إلى 34 مستضداً  جديداً خاصاً بورم المريض.

 

وبعد حقن العلاج في العضلة، تقرأ خلايا الجسم تعليمات الحمض النووي الريبي المرسال وتنتج المستضدات المستهدفة مؤقتاً، فتتعرف الخلايا المناعية، وخصوصا الخلايا التائية، على الخلايا السرطانية التي تحملها، وتهاجمها.

 

 اللقاح والعلاج المناعي

لا تكفي معرفة جهاز المناعة لشكل السرطان دائماً للقضاء عليه، لأن الأورام تمتلك وسائل تستطيع من خلالها إضعاف الاستجابة المناعية.

 

وإحدى هذه الوسائل تستغل نقطة تفتيش مناعية تعرف باسم PD-1، تعمل في الظروف الطبيعية مثل مكابح تمنع الخلايا التائية من مهاجمة أنسجة الجسم بصورة مفرطة. وبعض الخلايا السرطانية تستخدم هذه المكابح للهروب من المناعة.

 

ويعمل Keytruda على تعطيل هذا المسار، بما يسمح للخلايا التائية باستعادة قدرتها على مهاجمة الورم. ومن هنا نشأت الفكرة، فاللقاح يخبر جهاز المناعة بمن يجب أن يهاجم، بينما يرفع Keytruda جزءاً من المكابح التي تمنعه من الهجوم.

 

وهذه الشراكة بين اللقاح والعلاج المناعي هي أحد الأسباب التي جعلت الميلانوما المرشح الأبرز لاختبار العلاج.

 

فالمرض يحتوي في كثير من الحالات على عدد كبير نسبياً من الطفرات، ما يوفر مجموعة أكبر من المستضدات الجديدة التي يمكن استهدافها، كما أن الميلانوما من السرطانات التي أظهرت استجابة مهمة تاريخياً للعلاجات التي تمنع نقاط التفتيش المناعية.

 

لكن هذه الحقيقة تفسر أيضاً أحد أوجه الحذر، فالنجاح في الميلانوما لا يثبت بصورة تلقائية أن اللقاح سيعمل بالكفاءة نفسها في جميع أنواع السرطانات، ولا سيما الأورام التي تحمل طفرات أقل، أو التي تحتوي على بيئة مناعية أكثر مقاومة.

 

الحمض النووي الريبي المرسال

فكرة استخدام الحمض النووي الريبي المرسال mRNA في علاج السرطانات، جاءت قبل استخدامه في لقاحات فيروس كورونا.

ففي عام 1990 أظهر باحثون أن حقن الحمض النووي الريبي المرسال المصنّع داخل مختبر، في عضلات الفئران، يمكن أن يجعل الخلايا تنتج البروتين الذي يحمله ذلك الجزيء.

 

وبعد خمس سنوات، جاءت إحدى أولى تجارب إثبات المفهوم في السرطان، عندما استخدم باحثون حمض نووي ريبي مرسال يحمل تعليمات لإنتاج المستضد الجنيني السرطاني المعروف باسم CEA في الفئران، ونجحوا في تحفيز استجابة مناعية ضده.

 

ومنذ ذلك الوقت أصبحت الفكرة واضحة نظرياً، فبدلاً من تصنيع البروتين السرطاني نفسه، يمكن إعطاء الجسم التعليمات المؤقتة اللازمة لإنتاجه، وتدريب المناعة عليه.

 

لكن الطريق من الفكرة إلى العلاج كان صعباً، فجزيئات الحمض النووي المرسال هشة وتتحلل بسرعة، ويصعب إدخالها إلى الخلايا بكفاءة، كما يمكن أن تثير استجابات مناعية فطرية غير مناسبة.

 

وعلى مدى سنوات عمل الباحثون على تعديل تركيب ذلك الحمض وتحسين استقراره وطرق توصيله إلى الخلايا.

وفي الوقت نفسه كانت ثورة أخرى تحدث في علم السرطان تتعلق بانخفاض تكلفة قراءة الحمض النووي، وظهور تقنيات التسلسل الجيني عالي الإنتاجية، ما جعل من الممكن قراءة جينوم ورم كل مريض والبحث عن الطفرات التي لا توجد في خلاياه الطبيعية.

 

وهكذا التقت تقنيتان كانتا تتطوران بصورة منفصلة، هما الحمض النووي الريبي المرسال وتسلسل جينومات الأورام.

 

رحلة البحث عن العلاج

وخلال العقد الماضي، بدأ الباحثون يركزون بصورة أكبر على “المستضدات الجديدة” وعلى عكس بروتينات أخرى قد توجد بنسب مختلفة في الخلايا الطبيعية والسرطانية، تنتج المستضدات الجديدة من طفرات خاصة بالورم، ولذلك يستطيع الجهاز المناعي نظرياً استهدافها مع تقليل احتمال إصابة الأنسجة السليمة.

 

إلا أن المشكلة كانت أن كل ورم تقريباً يمتلك مجموعة مختلفة من الطفرات، أي أن اللقاح المثالي لمريض قد يكون بلا قيمة لمريض آخر.

 

وأصبحت الحاجة إلى قراءة ورم المريض، ثم التنبؤ بالمستضدات المناسبة، ثم تصنيع لقاح مخصص سريعاً، هي التحدي المركزي للمجال.

 

ولكن في عام 2017 جاءت نتائج بشرية صغيرة أعطت دفعة قوية للفكرة.

 

ونشرت مجموعتان مستقلتان في مجلة Nature تجارب على مرضى الميلانوما أظهرت أن اللقاحات الشخصية الموجهة إلى المستضدات الجديدة تستطيع استثارة خلايا تائية موجهة ضد طفرات الورم.

 

واستخدمت إحدى المجموعتين لقاحات مكونة من “ببتيدات” (سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية)، بينما استخدمت مجموعة يقودها العالم الشهير أوجور شاهين، لقاحات شخصية من الحمض النووي الريبي RNA.

 

كانت التجارب صغيرة ولا تكفي لإثبات الفاعلية، لكنها أظهرت أن صنع لقاح مختلف لكل شخص ليس فكرة نظرية فقط، وأن جهاز المناعة يستطيع بالفعل التعرف على الأهداف المختارة.

 

قبل ظهور تلك النتائج بعام، عقدت “موديرنا” و”ميرك” في يونيو 2016 شراكة لتطوير لقاحات سرطان شخصية قائمة على الحمض النووي الريبي المرسال، ودفعت “ميرك” 200 مليون دولار مقدماً، بينما تولت “موديرنا” جانباً كبيراً من البحث والتصنيع.

 

وكان الهدف منذ البداية الجمع بين لقاح يقدم قائمة شخصية من مستضدات الورم، وبين Keytruda الذي كان قد أثبت بالفعل قدرة على تحرير الاستجابة المناعية من أحد القيود الرئيسية التي يفرضها السرطان.

 

وتحرك البرنامج بسرعة نسبية، وقالت “موديرنا” إنها انتقلت من توظيف أول موظف في البرنامج إلى تقديم طلب بدء التجارب البشرية إلى إدارة الغذاء والدواء الأميركية، خلال فترة 18 شهراً.

 

وفي نوفمبر 2017 تلقى أول مريض جرعة من العلاج الذي كان يحمل آنذاك اسم mRNA-4157. بدأت تجربة المرحلة الأولى KEYNOTE-603 بدراسة السلامة وقدرة العلاج على توليد استجابة مناعية، سواء بمفرده في بعض الأورام التي أزيلت جراحياً، أو إلى جانب Keytruda في أورام صلبة أخرى.

 

المرحلة الحاسمة

بدأت المرحلة التالية الحاسمة بين عامي 2019 و2021 في تجربة KEYNOTE-942. وشارك 157 مريضاً مصاباً بالميلانوما عالية الخطورة أزيلت بالكامل جراحياً، فيما حصل 107 منهم على mRNA-4157 مع عقار Keytruda، بينما حصل 50 على Keytruda وحده.

وكانت الفكرة هي البحث عن خلايا سرطانية مجهرية قد تبقى في الجسم بعد الجراحة ولا يمكن رؤيتها في الفحوص، ثم تدريب المناعة على القضاء عليها قبل أن تنشئ ورماً جديداً.

 

وفي ديسمبر 2022 أعلنت الشركتان أول نتيجة كبيرة، فالعلاج المركب خفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنحو 44% مقارنة بـKeytruda وحده في التحليل الأول.

وكانت تلك أول مرة يظهر فيها علاج سرطاني قائم على الحمض النووي الريبي المرسال فاعلية في تجربة عشوائية. وقبل ذلك بشهرين كانت “ميرك” قد مارست حقها في الدخول الكامل في تطوير المشروع، ودفعت 250 مليون دولار إضافية، مع اتفاق الشركتين على تقاسم تكاليف البرنامج وأرباحه المستقبلية بالتساوي.

 

المصدر 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى