الإعلام العربي.. إشكالات الماضي والراهن(2-2) / حيّان جابر
البث الفضائي
تمكّن البث التلفزيوني، بفضل القدرات البصرية التي تميزه عن البث الإذاعي من الحصول على جل اهتمام المتابع العربي، وإن فشل في ذلك سياسيا في مرحلة البث المحلي، نظراً إلى القيود التي كبلت عمله من السلطات المحلية، ونتيجة القيود التقنية التي حالت دون قدرته على النفاذ إلى مساحاتٍ جغرافية شاسعة، ومخاطبة أعدادا ضخمة من المشاهدين خارج مجاله الوطني. الأمر الذي ساهم في دفع جامعة الدول العربية إلى تأسيس المؤسسة العربية للاتصالات الفضائية في عام 1976، والتي أسفرت عن إطلاق القمر الصناعي الأول عربسات في 8/2/1984، ثم عربسات الثاني 1985، والثالث 1992.
لكن لم يستحوذ البث الإعلامي الفضائي العربي على أعلى نسب متابعة ومشاهدة، حتى منتصف التسعينيات من القرن الماضي، نتيجة عدة عوامل، منها ارتفاع نسب ملكية جهاز التلفاز داخل الوطن العربي، والتي وصلت، في بداية التسعينيات، إلى قرابة 25%، وسهولة تملك المواطن العربي الأجهزة الضرورية لاستقبال البث الفضائي، ورخص ثمنها بسرعة كبيرة، حتى باتت في متناول الغالبية العظمى، وتزايد أعداد المحطات العربية ذات البث الفضائي، الخاصة والحكومية. الأمر الذي ساهم في استئثار الإعلام الفضائي على أعلى نسب متابعة ومشاهدة على المستوى العربي كاملا، وعلى جميع المستويات، بما في ذلك سياسيا، وخصوصا بعد إطلاق قناة الجزيرة الإخبارية في 1996، لتكون أول قناة عربية إخبارية فضائية تخصصية، نجحت خلال أشهر من اجتذاب جزء كبير ومهم من المشاهدين العرب، وزاحمت بعد عامها الثاني غالبية القنوات والمحطات العالمية، وأصبحت أحد أهم مصادر الأخبار، وتغطية الأحداث والنزاعات والحروب العربية أو الإقليمية أو العالمية.
ويعود نجاح قناة الجزيرة إلى عدة عوامل، خارجية وذاتية، فقد ساهمت تقنية البث الفضائي في تلقي المشاهدين العرب البث أينما كانوا، سواء داخل الوطن العربي أم خارجه، كما استفادت القناة من إغلاق القسم العربي في تلفزيون بي بي سي، ما مكنها من استقطاب جزء مهم من كادر هذا القسم، بعد تحولهم عاطلين، وهو ما شكل النواة الصلبة التي بنت منهجية عمل “الجزيرة”. أما ذاتيا فيعزى نجاحها إلى هامش الحرية الكبير الذي امتلكته، مقارنة بما تمتلكه باقي المحطات الحكومية، كما حققت قفزة نوعية على مستوى الوعي السياسي العربي، نتيجة الجرأة في طرح القضايا العربية، ومنها القضية الفلسطينية، والمساحة الكبيرة التي منحتها للأصوات العربية السياسية والثقافية المهمشة محليا، من معارضي الأنظمة، لتصبح أول وسيلةٍ إعلاميةٍ تعرض رأيا مغايرا لرأي النظم العربية قاطبة. كما أعادت “الجزيرة” نبش الماضي القريب خصوصا، مساهمة في كشف أكاذيب حكومية عديدة رائجة عن أهم أسباب النكوص العربي، وفي فضح جرائم وانتهاكات عديدة مرتكبة بحق القوى أو الشخصيات المعارضة، وبعض المجموعات ذات الخصوصيات الثقافية والسياسية، وبحق مجمل الشعوب العربية.
وهو ما ساهم في رفع مستوى توقعات النخب والشعوب العربية منها، ومن تأثيرها المباشر وغير المباشر على ظروفنا العربية، معتقدين أننا مقبلون على عصر الحرية عموما، وحرية الإعلام خصوصا، وبأن مرحلة الاستبداد والإجرام آفلةً بلا رجعة، لصالح مرحلة سيادة القانون وحرية التعبير وتبادل السلطات، وهو ما تقاطع مع مفهوم العولمة، وتفسيراتها الثقافية والسياسية. طبعا لقد عززت برامج “الجزيرة” من هذا الاعتقاد، لإصرارها على استضافة الأصوات المعارضة، وإفساح المجال لهم، كي يعبروا عن أفكارهم وآرائهم بصورةٍ لم يعهدوها من قبل، وعلى الرغم من السخط والغضب الرسمي العربي، الذي كان يصل، في أحيان كثيرة، إلى إغلاق مكاتب القناة في الدولة المعنية.
الإعلام العربي الراهن
لم تعد الجزيرة المحطة الإخبارية العربية الوحيدة المتخصصة في الشؤون السياسية اليومية، بل تعدّدت القنوات والمحطات، بعضها ذات تمويل عربي وبعضها غربي، منها امتداد لسلسلة قنوات عالمية مثل بي بي سي عربية، وسكاي نيوز عربية، ومنها ما كان ردا سريعا على صعود نجم “الجزيرة” كقناة العربية. الأمر الذي يوحي بمنافسةٍ قد تقود نحو ارتقاء العمل الإعلامي وتطوره، كي يصبح سلطة رابعة مستقلة عن النظام العربي، ويلعب دوراً محوريا في دفع تطور شعوب المنطقة ودولها، وهو ما لم يحدث، بل يبدو أن المنافسة الإعلامية الأخيرة قد فرضت على الساحة الإعلامية معطياتٍ جديدة معيقة، وكأننا نسير داخل حلقة محكمة الإغلاق، يصعب كسرها والخروج منها. وهو ما يوحي بخطأ التقليل من حدّة نقد الإعلام العربي، خصوصا في بدايات البث الفضائي، بسبب الحالة التي أفرزها، والتي شكلت نقلة نوعية غير مسبوقة وغير متوقعة، ونتيجة التشبث بإمكانات التعديل والتطوير الذاتي، بفعل المنافسة الناشئة بين الشبكات الإعلامية العالمية والعربية، على قاعدة البقاء للأفضل. لأننا نعيش امتدادا طبيعيا للأخطاء نفسها التي كانت موجودة في حينه.
المظهر الحواري
يبدو كأن الإعلام العربي قد نسي أو تناسى أهم قواعد التنافس المهني، القائم على دفع عجلة تطوير الخدمة الإخبارية، ورفع جودتها ودقتها، وتوسيع هامش الحرية، ودفع الحوار الحضاري خطواتٍ نحو الأمام، لمصلحة مسار التقليد الأعمى، حتى بأسلوب العرض، لتنتشر برامج حوار الطرشان، أو حوار الصوت الأعلى والشخصية الأقوى، على حساب حوار الدليل والحجة الأقوى. إذ لم يدرك القائمون على الإعلام العربي أن إفساح المجال للأصوات المعارضة في العام 1996 كان تطورا كبيرا وهائلا في حينه، بغض النظر عن حجم المساحة التي ينالها، ووسائل عرضها، وعدالة توزيع المساحة بين تباينات الرأي والرأي الأخر، أي بغض النظر عن توفر المناخ الضروري، من أجل عرض أبرز الاتجاهات الفكرية، وبأفضل صورة ممكنة. بينما يبدو الوضع مختلفا تماما اليوم، نتيجة الإعلام البديل الذي وفر مساحة للتعرّف على مجمل الآراء والأصوات بسهولة ويسر، لمن ينجح في التغلب على وسائل الحظر والمنع المستخدمة حكوميا. ونتيجة الدور الذي لعبته “الجزيرة” في بداياتها، والذي نجحت من خلاله في تعريف المواطن العربي على وجود أصواتٍ أخرى مهمّشة ومبعدة، ومغايرة لصوت النظام العربي، دفع بعضها أو غالبيتها أثمانا باهظة جدا، سجنا وربما قتلا، نتيجة إصراره على عرض آرائه وأفكاره التي لا تتوافق مع طبيعة النظام العربي عموما.
لذا، لم يعد من معنىً في إصرار الإعلام العربي على التشبث بالهوامش الديمقراطية، القائمة على حق الآخر في الظهور والحديث فقط، من دون تأمين المناخ والوقت والشخص المناسبين لعرض بعض وجهات النظر، فالحوار الحقيقي يتطلب إعدادا جادّا، من اختيار الشخصيات المتحاورة التي تمتلك مقومات موضوعية وعلمية، لعرض وجهة نظرها والدفاع عنها، وتفنيد التباينات والاختلافات مع الآراء والتحليلات المغايرة لها، إلى تأمين أجواء وشروط عادلة ومتكافئة بين جميع المتحاورين، بغض النظر عن الانتماءات الفكرية، والخلفيات السياسية. وعليه، على الإعلام العربي إدراك حاجات المجتمع والمشاهدين، والتبدّلات التي حصلت منذ بداية البث الفضائي، فقد اختلف وعي المتابع وتغيرت متطلباته، بصورة جذرية.
“الإعلام العربي قد نسي أو تناسى أهم قواعد التنافس المهني، القائم على دفع عجلة تطوير الخدمة الإخبارية، ورفع جودتها ودقتها”
أخلاقيات المهنة
انعكس تراجع المنظومة القضائية العربية أو انهيارها على الإعلام، ما قاد إلى استسهال خطاب التشهير الشخصي والاتهام والشتائم السياسية والأخلاقية جزافا، وكأننا في عالم خارج عن القانون، وعن الأعراف المهنية والإنسانية البسيطة. وهو ما تلقفته وسائل الإعلام، وشجعته عبر إصرارها على عرض هذه الأصوات، ومنحها مساحة إعلامية معتبرة، من دون اكتراث بفحوى الكلام، ما عزّز تصاعد نماذج الإجرام اللفظي، وتكاثر أصواته، الأمر الذي انعكس كذلك ميدانيا، من خلال تسارع وتصاعد في الموجات العنصرية والإلغائية التي لا تعترف بالآخر، أيا كان.
إذا، وفي غياب تطبيق قانون إعلامي حضاري، لابد من وقفةٍ إعلاميةٍ ملتزمةٍ بأخلاقيات المهنة وأعرافها، تحاصر هذه النماذج اللاأخلاقية واللاإنسانية، وتهمشها وتعزلها وتطردها، مهما كانت قيمتها السياسية أو الاجتماعية، فتفشي هذه الظاهرة إعلاميا ذو نتائج مدمرة على جميع الأصعدة، وسوف يقود إلى نكوص الإعلام وتحوله إلى منبر عنصري، سفيه وعديم الجدوى، كما ستدفع نحو وضع اجتماعي، تسوده قيم العداء والصدام وإلغاء الآخر، سواء أكان مختلفا عقائديا أم فكريا أم قوميا، فالعنصرية والتشهير الأخلاقي وشيطنة الآخر عناصر لا تمت بصلة لمنهجية الحوار الحقيقي، بل هي خطاب مدان قانونيا وإنسانيا في المجتمعات القائمة على استقلالية القانون وسيادته، وهي مقدماتٌ سوف تفضي إلى انتشار الاعتداءات والانتهاكات بحق المواطنين من أجهزة الدولة المباشرة وغير المباشرة، ومن جماعات إجرامية مغلقة، يصعب السيطرة عليها لاحقا. وهي مشكلات ستطال الجميع، وإن استفاد منها بعضهم اليوم في التشهير بخصومهم ومنافسيهم.
الحياد السياسي والاستقلال النسبي
لم يتمكّن إعلام البث الفضائي من لعب دوره بكل حيادية واستقلالية، بل بدأنا نشهد، بصورة متسارعة، فرض رؤية وعقيدة معدين ومقدمين عديدين، حتى تحولت، في غالبية الأحيان، إلى نهج سياسي يحكم توجه هذه المحطة أو تلك. وبالتالي تراجعت مصداقية الإعلام العربي، على الرغم من تطور وسائل البث، وعلى الرغم من مساحة الحرية والديمقراطية، خصوصا في المرحلة التي تبعت ثورات الربيع العربي، وتصاعد الاحتقان داخل بعض الدول العربية، وبينها وبين دول إقليمية ودولية، إذ بات جميع المشاهدين على درايةٍ كافيةٍ وشاملة، بتوجه كل محطة تلفزيونية، وأصبحوا قادرين على التنبؤ بأسلوب صياغتها الخبر وطريقة عرضه، وفق موقفها السياسي منه، كما بات المشاهد على معرفةٍ بهوية ضيوف البرامج والنشرات الإخبارية على كل محطة منها.
طبعا، يشكل الموقف والرأي السياسي جزءا طبيعيا من أي مؤسسة أو شخصية إعلامية، لكن ذلك لا يعني أن تتحول المحطة أو المقدّم إلى مجرد ناطق باسم هذه المجموعة أو تلك، وأن يتحول مقدم البرنامج إلى خصمٍ أو حليفٍ واضح لهذا الضيف أو ذاك، وهو ما بتنا نشهده في برامج حوارية كثيرة، مباشرة ومسجلة، وفي النشرات الإخبارية ومداخلات ومشاركات إعلامية عديدة، حتى فقدت غالبية المحطات الإعلامية مصداقيتها الشعبية، وأثارت جميع أخبارها حفيظة متابعين كثيرين وتشككهم، حتى فيما يتعلق بالأرقام الإحصائية التي توردها، وبحيثيات البث المباشر، خصوصا الترجمة المباشرة التي شهدت، في أحيان كثيرة، تلاعبا فجا وساذجا بها، وإصرارا غريبا على الرواية المحرّفة، على الرغم من افتضاحها.
القضايا الوطنية والقومية وجهات نظر
تعتبر الحرية والديمقراطية والحق في التعبير من أهم معايير العصر الحديث، لذا لم يعد من الممكن تخيل أي مؤسسة أو برنامج أو نشاط سياسي لا يتضمن إقرارا واضحا بهذه القيم، إن لم نقل تطبيقها العملي. ولكن هل ينبغي تعميم ذلك على أي موضوع، وعلى أي فكرة أو رأي، بغض النظر عن مضمون هذا الرأي؟ طبعا لا يمكن اعتبار آراء وتوجهات كثيرة مجرد وجهات نظر، يحق لها ولأصحابها امتلاك مساحتهم الخاصة، لعرضها والدفاع عنها، في جميع المحافل الإعلامية، وربما الدولية، خصوصا عندما تتضمن تسفيه الآخر واحتقاره وتجريمه، وسلبه حقوقه الطبيعية، وهو ما ينسجم مع نبذ المواقف العنصرية ومحاصرتها، بما فيها الاحتلال فعلا إجراميا، وخصوصا عندما يمارس تطهيرا عرقيا.
وعليه، لا يندرج حق المجرمين في الظهور الإعلامي ضمن الرأي الآخر، بل على العكس يعتبر ذلك بمثابة مشاركة ضمنية في الجريمة، أو قبولا بها بالحد الأدنى، وهو ما ينطبق كليا على جميع القضايا الإنسانية والسياسية والوطنية، وفي مقدمها الموقف من ممثلي دولة الاحتلال الصهيوني، بغض النظر عن موقع هذه العصابة” الدولة” ومكانتها وقوتها اليوم، ومدى الدعم الذي تناله، فالاحتلال وممثلوه يعبرون عن توجهات إجرامية، ومثبتة قانونيا ودوليا. وعليه لا يمكن التسامح مع منحهم حيزا في وسائل الإعلام عموما، والعربية خصوصا. ثم ما الغاية أو الفائدة المرجوة من منح هؤلاء هذه المساحة المجانية في وسائل إعلامية عربية موجهة إلى الجمهور العربي؟ بمعنى ما الفائدة المرجوة من إحراج وممثلي الاحتلال الإعلاميين وفضحهم على وسائل إعلامية ناطقة بالعربية؟ إن سلمنا بنجاح هذه المهمة دائما؛ في حين نملك مئات الدلائل الحية والملموسة والميدانية على جميع هذه الجرائم. لا إضافة تذكر من استضافة ممثلي الاحتلال على القنوات العربية، بل من نتائجها السلبية تحويل ممارسات الاحتلال الإجرامية إلى قضية خلاف في الآراء، ومن تحويل الاحتلال إلى واقع يجب الاعتراف به والتعامل معه، ومن انتقائية خبيثة في تسليط الضوء على بعض الجرائم دون غيرها وفق سياسة المحطة المستضيفة، وموقفها من الشريحة أو الجهة السياسية التي تمارس عليها هذه الجريمة أو تلك.
.. يبدو أننا في خضم مرحلة غير مستقرة سياسيا وإعلاميا، قد تطول أو تقصر، تبعا للتطورات الميدانية ونتائجها. لذا لا بد من توخي الحذر والدقة في غالبية المتغيرات الحاصلة، وخصوصا التي تستهدف وعينا وحقوقنا ومبادئنا، وهو ما يتطلب نخبا ثقافية وسياسية، ووسائل إعلامية مبدئية، وملتزمة بحقوقنا الطبيعية والتاريخية والحضارية، من الحق في الأرض إلى الحق في التعبير عن الرأي، إذ لم يعد ممكنا الفصل بين أي من هذه الحقوق التي أضحت جزءا عضويا من حاجاتنا البشرية اليومية، كما لم يعد مقبولا الاستمرار في سياسات إعلامية وثقافية، تحط من قيمة الإنسان وتسلبه حقوقه، خدمة لمصالح المتنفذين، سياسيا واقتصاديا، محليا ودوليا.




